الوعد التزام من طرف واحد يتعهد فيه شخص لآخر بالقيام بفعل في المستقبل، كشراء سلعة أو بيعها، دون أن ينعقد بيع وقت التعهد. ويفترق عن الإيجاب لأنه لا ينشئ عقدا بذاته، وعن الكفالة لأنه لا ينقل المخاطر إلى غير الواعد. وتستعمل المصارف الإسلامية الوعد لتأمين مشتريات المرابحة، ونهاية الإجارة، وإطفاء الصكوك، والتحوط من أسعار الصرف، ويبقى البيع اللاحق تصرفا مستقلا.
أركان الوعد: من يعد بماذا وإلى متى
يشتمل الوعد المحكم على خمسة عناصر: الواعد، والموعود، والفعل الموعود به، والحدث أو التاريخ الذي يعلق عليه الوعد، ومدته. فإذا غمض واحد منها رجح وقوع النزاع، لأن أحدا لا يستطيع حينئذ أن يحكم بأن الوعد قد وفي به. ولهذا تكتب المصارف التعهد في مستند موقع يذكر المحل والثمن أو معادلة تحديده وآخر موعد لتنفيذ الوعد.
وما دام الموعود لم يتصرف بناء على الوعد، ترك الوعد المجرد للواعد فسحة للعدول. ومن هنا كانت مسألة الاعتماد على الوعد بالغة الأهمية في العمل، فإذا اشترى الموعود بضاعة أو أبرم عقد توريد أو دفع عربونا بسبب الوعد، ألحق النكول به ضررا حقيقيا، وجاء دور الرأي المنسوب إلى المالكية الذي سبق ذكره.
الوعد يسبق العقد ولا يقوم مقامه
لا ينقل الوعد ملكية ولا ثمنا، وإنما يعلن أن أحد الطرفين سيتصرف لاحقا. أما البيع أو الإجارة أو المبادلة الموعود بها فلا بد أن تنعقد بعقد مستقل في الموعد المحدد، بإيجاب وقبول جديدين.
واجب أخلاقي أم التزام يقضى به؟
رأى جمهور الفقهاء المتقدمين أن الوفاء بالوعد واجب ديانة لا يلزم به القاضي. وذهب بعض المالكية إلى أنه يلزم قضاء إذا دخل الموعود في كلفة بسبب الوعد، وعلى هذا الرأي تعتمد المالية الإسلامية المعاصرة إلى حد بعيد.
تعويض الضرر الفعلي لا الربح الفائت
إذا نكل الواعد دون عذر معتبر لزمه من حيث المبدأ تعويض الخسارة الواقعة فعلا، كالفرق بين تكلفة شراء السلعة وثمن بيعها لطرف آخر. أما الربح المتوقع الذي لم يتحقق فلا يعوض عنه في الغالب.
لا مبلغ مقطوعا عند النكول
تحديد مبلغ مسبق يدفعه الواعد إن عدل عن وعده يجعل الوعد مصدر كسب منفصل عن أي ضرر، وهذا قريب من الربا. لذلك تنص العقود على تعويض يحسب على أساس الخسارة الثابتة، وقد يغطيه هامش جدية يدفعه العميل.
الوعد الملزم والوعد غير الملزم في العقود المالية
تنص بعض الوثائق على أن الوعد ملزم للواعد وحده ولا يلزم الموعود شيئا، وتنص أخرى على أنه مجرد بيان نية. والفرق عملي لا لفظي، فالأول يرتب التزاما بالتعويض عند النكول بعد ثبوت الضرر، والثاني لا يرتب أثرا يعتد به. فينبغي للعميل أن يقرأ هذه العبارة بعناية وأن يسأل عن الأثر المالي لكل صيغة قبل أن يوقع، لأن اختلاف الصيغة يغير مركزه القانوني تغييرا كاملا.
ومن الصور المألوفة أن يعد المصرف عميله بتمويل شراء سيارة بعد استكمال المستندات، وأن يعد العميل بالشراء إذا وافقت المواصفات ما طلبه. فإن لم تتطابق المواصفات سقط وعد العميل بحكم الشرط نفسه، ولا يحق للمصرف أن يطالبه بتعويض عن سلعة خالفت الوصف المتفق عليه.
كيف يقدر الضرر الناشئ عن نكول الواعد في الوعد
لنفترض أن مصرفا حصل من عميل على وعد بشراء آلة، فاشتراها من المورد ثم رأى العميل يتراجع. إن خسارة المصرف هي الفرق بين ما دفعه وما يحصله من بيع الآلة لغير العميل، مضافا إليها النفقات الموثقة كالتخزين والنقل. وتثبت ذلك الفواتير وعقود إعادة البيع وتقارير التقييم، لا تقدير تقريبي مجرد.
فإن ساوى ثمن إعادة البيع ثمن الشراء أو زاد عليه فلا شيء مستحق، مهما كان المصرف متضايقا. وتحتفظ مؤسسات كثيرة بهامش جدية قابل للرد، يقاص به الضرر الثابت. وما فضل بعد ذلك يرد إلى العميل، حتى لا يتحول الهامش إلى غرامة تزيد على الضرر الواقع.
الوعد من طرف واحد والوعدان المتقابلان والمواعدة
الوعد يلزم طرفا واحدا فقط. ويقبل كثير من الهيئات الشرعية وعدين مستقلين يتعلق كل منهما بحدث مختلف. أما المواعدة فهي وعدان متبادلان ملزمان على المعاملة نفسها، وهي تثير إشكالات شرعية أكبر.
متى تتحول التعهدات المتقابلة إلى بيع آجل؟
إذا التزم البائع والمشتري كلاهما التزاما باتا بإجراء صرف عملات أو ذهب لاحقا بسعر يحدد اليوم، كانت المعاملة في حكم البيع الآجل. وتمنع هيئة المحاسبة والمراجعة هذه المواعدة الملزمة حين يشترط في المبادلة التقابض الفوري.
تعهد المنشئ بالشراء في الصكوك
في كثير من الصكوك يتعهد المنشئ بشراء الأصول من الشركة المصدرة عند الاستحقاق أو عند التعثر، فيتوفر بذلك المال اللازم لإطفاء حقوق حملة الصكوك. وفي الاتجاه المقابل قد تتعهد الشركة المصدرة ببيع الأصول لتمكين الإطفاء المبكر.
الشراء بالقيمة الاسمية: قيد وضعته الهيئة
في صكوك الإجارة يقبل الشراء بسعر الإصدار لأن المؤجر يبقى مالكا للأعيان المؤجرة. أما في صكوك المشاركة والمضاربة والوكالة فقد بينت هيئة المحاسبة والمراجعة سنة 2008 أنه لا يجوز للمدير التعهد بالشراء بالقيمة الاسمية لأنه ضمان لرأس المال.
صياغة الوعد صياغة سليمة: ما ينبغي إدراجه
لا يؤدي الوعد وظيفته إلا إذا بقي منفصلا عن العقد الذي يمهد له. فالبيع أو الإجارة أو المبادلة اللاحقة يجب أن يتفق عليها من جديد بإيجاب وقبول وتسليم مستقلة. وإذا جمع مستند واحد الوعد والبيع في بند واحد، تعرض للنقد بأن المعاملة أبرمت مقدما، وهذا ما يراد تجنبه باستعمال صيغة الوعد أصلا.
- هوية الواعد والموعود والصفة التي يتصرف بها كل منهما
- وصف دقيق للسلعة أو العملة والكمية المعنية
- الثمن أو معادلة تنتج ثمنا قابلا للتحديد يوم التنفيذ
- المدة التي يجوز فيها تنفيذ الوعد وطريقة الإخطار
- طريقة تحديد التعويض إذا نكل الواعد
وتنظر الهيئات الشرعية كذلك في ما إذا كان الوعد ملزما لطرف واحد. فإذا التزم الموعود أيضا اقتربت الصيغة من المواعدة التي تقدم الحديث عنها، بما يرتبه ذلك من إشكالات.
العميل الآمر بالشراء في المرابحة
قبل أن يشتري المصرف سيارة أو بضاعة يحصل من العميل على وعد بشرائها بعد أن يتملكها المصرف. وهذا الوعد ليس بيعا، إذ يتحمل المصرف مخاطر السلعة في الفترة بين تملكها وتوقيع عقد المرابحة.
التحوط من تقلب سعر الصرف بالوعد
يمكن لشركة تنتظر دفعة بالدولار أن تحصل من مصرفها على وعد ببيعها عملة أخرى بسعر محدد. والمصرف وحده هو الملتزم، وتبقى الشركة حرة. ويتم الصرف حالا يوم تنفيذ الوعد دون تأجيل لأي من البدلين.
وعد بنقل الملكية عند انتهاء الإجارة
في الإجارة المنتهية بالتمليك يعد المؤجر بنقل ملكية العين إلى المستأجر في نهاية المدة، ببيع بثمن رمزي أو بهبة. ويوثق هذا الوعد في مستند مستقل حتى لا تندمج الإجارة ونقل الملكية في عقد واحد.
ما ينبغي قراءته في التعهد قبل توقيعه
ينبغي تحديد الواعد، والحدث المعلق عليه الوعد، والثمن، والمدة، وطريقة حساب التعويض. ويجب أن تكون صلة الوعد ببقية عقود الهيكل واضحة ومكتوبة، والبت النهائي في الهيكل من اختصاص الهيئة الشرعية للمؤسسة.
أخطاء شائعة في الوعد عند التطبيق
الخطأ الأول أن يعد الواعد ببيع سلعة لم يملكها بعد ولم يحزها. وأيا كانت العبارة فإن البيع الجازم لما ليس عند البائع يصطدم بالنهي عن بيع ما لا يملك، ويصير الوعد مجرد وسيلة لستر البيع. والخطأ الثاني تحديد ثمن الشراء بحيث يعيد دائما رأس المال مع هامش ثابت مهما بلغت قيمة السلعة.
والخطأ الثالث اعتبار الوعد ضمانا لتنفيذ طرف ثالث. فالواعد لا يسأل إلا عن فعله هو. وإذا وعد منشئ الصكوك بشراء الأصول، اعتمد حملة الصكوك على وعده وملاءته، وهي مخاطرة ائتمانية ينبغي للمستثمرين أن يسعروها لا أن يتجاهلوها. وأخيرا فإن الوعد الذي يتغير مع كل تجديد، أو يمدد بصمت دون مستند جديد، يترك الأطراف عاجزين عن إثبات ما اتفقوا عليه.
أسئلة قبل الاعتماد على الوعد
من يتلقى وعدا ملزما في إطار تمويل ينبغي أن يستطيع الإجابة عن بضعة أسئلة بسيطة. فمسؤول الخزينة والمحامي والهيئة الشرعية ينظر كل منهم إلى جانب مختلف، ولكن لا بد أن يطلع الثلاثة على المستند نفسه بصيغته النهائية، بملاحقه وما قد يوجد معه من مراسلات جانبية.
- هل يصدر الوعد عن طرف واحد أم عن الطرفين؟
- ماذا يحدث إذا عدل الواعد بعد أن أنفق الموعود مالا؟
- هل الثمن ثابت أم يمكن تحديده موضوعيا يوم التنفيذ؟
- هل يبقى الوعد منفصلا عن البيع الذي يعلن عنه؟
- أي محكمة أو قواعد تحكيم تفصل في نزاع التعويض؟
ويقدر الوعد من طرف واحد لأنه خفيف: يلزم دون أن يبيع. وتزول هذه الخفة متى صيغ عقدا مستترا، فالانضباط هو أن يبقى وعدا، وأن تحفظ جميع الوثائق المتعلقة به لمدة كافية للرجوع إليها عند أي خلاف لاحق.
