البيع المؤجل عقد يتسلم فيه المشتري السلعة فورا بينما يدفع الثمن، وهو في الغالب أعلى من الثمن النقدي، في موعد لاحق أو على أقساط. ويثبت المبلغ الإجمالي منذ إبرام العقد ولا يزيد بعد ذلك. ويصير المشتري مدينا بالثمن المتفق عليه، ويكسب البائع ربحه من البيع نفسه لا من فائدة على قرض.
متى يصح عقد البيع المؤجل
يحتاج البيع المؤجل الصحيح إلى أركان أي بيع: إيجاب وقبول، وبائع يملك السلعة فعلا، ومبيع مباح ومعين، وثمن محدد بعملة معلومة. ولأن الثمن يستحق لاحقا، يشترط الفقهاء أن يكون أجل السداد محددا بتاريخ معلوم لا بعبارة غامضة كقولهم «عند توفر المال». فالعقد الذي يترك الأجل مفتوحا لا يحقق شرط اليقين.
ويوصى بكتابة الاتفاق كتابة واضحة. فأطول آية في القرآن، وهي آية الدين (البقرة: 282)، تأمر المؤمنين بتوثيق المعاملات المؤجلة وبالإشهاد عليها. ويعني ذلك عمليا جدول سداد موقعا، وإقرارا من المشتري بالدين، ونسخة لكل طرف، مما يفيد أيضا إذا وصل النزاع إلى القضاء. وإذا جرى الاتفاق على العملة فلا يجوز تغييرها بعد العقد إلا برضا الطرفين وبسعر صرف معلوم يوم التغيير.
ولا يصح البيع المؤجل إذا كان المبيع مما يشترط فيه التقابض الفوري، كالذهب والفضة والعملات، لأن تأجيل أحد البدلين فيها يدخل في الربا. أما السلع العادية كالأجهزة والسيارات والبضائع فلا حرج في بيعها بثمن مؤجل متى توافرت الشروط السابقة.
البيع المؤجل والقرض بالتقسيط التقليدي
في القرض بالتقسيط يسلم المقرض مالا ويحتسب فائدة تتراكم مع الزمن، فيتوقف مقدار الدين على سرعة السداد. أما في البيع بثمن آجل فيشتري المشتري سلعة معينة من البائع، ويكون الدين الناشئ هو ثمن تلك السلعة، ثابتا منذ اليوم الأول. ويتحمل البائع مخاطر السلعة حتى التسليم ويضمن عيوبها، وهي التزامات لا يتحملها المقرض المحض.
ويظهر الفرق حين تسوء الأمور. فيستطيع المقرض إضافة فائدة تأخير على القرض المتأخر، بينما لا يملك البائع في البيع الآجل رفع الثمن. ومن سدد قرضا مبكرا وفر الفائدة، أما من سدد البيع بالتقسيط مبكرا فيتوقف تخفيضه على سياسة البائع في الحسم. ولهذا لا يعد البيع المؤجل وخطة تقسيط تشبهه في الظاهر شيئا واحدا في نظر الهيئة الشرعية.
بيع حاضر في كل شيء إلا الثمن
تنطبق على هذا العقد جميع أحكام البيع المعروفة في الفقه، فالبائع يملك السلعة والمشتري يقبضها ثم يتحمل مخاطرها. ولا يتأخر سوى الثمن، فيتحول إلى دين ثابت في ذمة المشتري لصالح البائع.
لماذا يجوز أن يزيد الثمن المؤجل؟
يرى جمهور الفقهاء جواز أن يكون ثمن السلعة المبيعة بالأجل أعلى من ثمنها نقداً، بشرط الاتفاق على ثمن واحد عند العقد. فالزيادة جزء من ثمن المبيع ولا تتضاعف مع مرور الوقت كما تفعل الفائدة.
النهي عن بيعتين في بيعة
إذا قيل للمشتري هي بمائة نقداً أو بمائة وعشرة إلى سنة، وتفرقا دون أن يختارا، بطل العقد لأن الالتزام يبقى مجهولاً. ولذلك يجب أن يستقر الطرفان على صيغة واحدة قبل التوقيع على العقد.
أجل واحد أو أقساط متتابعة
يمكن سداد الثمن دفعة واحدة في تاريخ محدد أو على أقساط شهرية. وفي الحالتين يجب أن يكون كل تاريخ وكل مبلغ معلوماً، وإلا أدخلت جهالة الأجل غرراً يؤثر في صحة البيع.
مثال رقمي على بيع بثمن آجل
لنأخذ جهازا منزليا ثمنه النقدي 1,200. يبرم البائع عقد بيع مؤجل بمبلغ 1,380 يسدد على اثني عشر قسطا شهريا قيمة كل منها 115. والفرق وقدره 180 يمثل 15 في المئة من الثمن النقدي مقابل سنة من الأجل، ويبقى 180 مهما جرى: فإذا سدد المشتري في الشهر السادس فلا يعيد العقد حسابه، وإن جاز للبائع أن يتنازل عن جزء من الثمن.
ومقارنة العروض تعني النظر إلى إجمالي المبلغ المستحق لا إلى القسط الشهري وحده. وينبغي للمشتري أن يطلب كتابة الثمن النقدي والثمن الآجل وعدد الأقساط وأي رسم خارج الثمن مثل التوصيل أو التأمين. فإذا امتنع البائع عن ذكر الثمن النقدي لم يعرف المشتري كلفة الأجل الحقيقية، وبقي أساس الزيادة غير واضح.
وإذا ضم المشتري إلى صفقة البيع بالتقسيط رسوما إدارية، فيجب أن تكون مبلغا مقطوعا معلوما يوازي تكلفة فعلية حقيقية، لا نسبة تزيد مع الأجل. فالرسوم التي تنمو بمرور الوقت تشبه الفائدة وتفسد صورة العقد، ولذلك تطلب الهيئات الشرعية بيانها تفصيلا في الوثيقة.
ما الفرق بينه وبين المرابحة؟
المرابحة من بيوع الأمانة، إذ يكشف البائع عن تكلفة الشراء وعن الربح. أما البيع المؤجل فلا يشترط هذا الإفصاح، وقد يقوم على سعر يتفاوض عليه الطرفان بحرية. وتجمع المصارف غالباً بينهما في مرابحة بثمن مؤجل.
البيع بثمن آجل في ماليزيا
في ماليزيا شكّل البيع بثمن مؤجل طويلاً أساس التمويل العقاري والتمويل الشخصي الإسلامي. وتعرّض لانتقادات لأن المشتري قد يُطالَب بكامل الثمن حتى عند السداد المبكر، فأصبح منح الحطّ ممارسة شائعة.
السداد قبل حلول الأجل
اختلف الفقهاء في مسألة ضع وتعجّل. وتترك معايير كثيرة للبائع حرية منح حطّ من الدين عند السداد المبكر، دون النص عليه التزاماً في العقد الأصلي، حتى لا يصبح الثمن مجهولاً.
حطّ يُمنح لكل حالة على حدة
عملياً يحصل المشتري الذي يسدد دينه قبل موعده على خصم يحسبه المصرف في الغالب. وقد أصبحت بعض الأنظمة الوطنية تُلزم به، فتحمي العميل مع بقاء عقد البيع الأصلي على حاله من الناحية الشكلية.
الضمانات والتعثر وحقوق البائع في البيع المؤجل
بما أن الملكية تنتقل إلى المشتري عند العقد، فلا يستطيع البائع استرداد السلعة ببساطة إذا توقف السداد. وللحد من هذا التعرض يجوز أن يتضمن العقد رهنا على السلعة أو على مال آخر، أو كفالة شخصية، أو شيكات مؤجلة. وهي جائزة ما دامت تضمن الثمن المتفق عليه ولا تضيف عبئا جديدا.
وعند تأخر الأقساط تقبل هيئات شرعية كثيرة شرط حلول الأقساط المتبقية متى تأخر عدد معين منها، بشرط أن يرد في العقد. ويحق للبائع المطالبة بنفقات التقاضي الفعلية، لا بغرامة تزيد بمرور الوقت. وإذا كان المشتري معسرا حقا أعيدت جدولة الدين، وذهب أي تبرع إلى المحتاجين لا إلى البائع.
وقبل التوقيع على عقد البيع المؤجل يحسن أن يسأل المشتري عن مدى إمكان التسديد المبكر وعن صيغة التنازل، وعمن يتحمل رسوم التوثيق والتسجيل، وعما إذا كانت السلعة مؤمنا عليها طوال مدة الدين. وهذه الأسئلة تقيه المفاجآت وتبين له الكلفة الفعلية للشراء بثمن آجل.
التأخر في السداد والالتزام بالتبرع
لا يجوز للبائع زيادة الدين عند التأخر. ويمكن للمشتري المليء المماطل أن يلتزم بالتبرع بمبلغ لجهة خيرية، أما المعسر حقاً فله، بنص القرآن الكريم، أن يُنظَر إلى ميسرة دون أي زيادة في الدين.
هل يجوز بيع الدين الناشئ عن البيع؟
لا يجوز بيع الدين الناشئ عن البيع المؤجل لطرف ثالث بأقل أو أكثر من قيمته الاسمية، لأنه يكون مبادلة نقد بنقد مع التفاضل. وتحدّ هذه القاعدة من إمكانية توريق هذه الديون وتداولها.
استخدامات شائعة لدى الأسر والتجار
نجده في شراء الأجهزة المنزلية والمركبات، وفي شراء التاجر للمواد الخام التي سيبيعها قبل حلول الأجل. ويتيح له تأجيل الثمن تمويل دورة نشاطه التجاري دون الاقتراض بفائدة ودون تجميد سيولته في المخزون.
ما ينبغي قراءته قبل التوقيع
تحقق من الثمن الإجمالي الواجب دفعه، والجدول الزمني الدقيق، وسياسة الحطّ عند السداد المبكر، وطريقة معالجة التأخير، ورأي هيئة الرقابة الشرعية لدى البائع، فهي وحدها تؤكد توافق الهيكل مع المعايير المطبقة.
البيع الآجل بين التجار
ليس البيع المؤجل منتجا مصرفيا فقط. فتجار الجملة والموردون يبيعون البضاعة لأصحاب المحال بآجال سداد قدرها ثلاثون أو ستون أو تسعون يوما، وإذا تضمنت الفاتورة ثمنا واحدا متفقا عليه سلفا فهذا بيع بالتقسيط أو بالأجل قائم بذاته. ويتحمل المورد مخاطرة الائتمان ويسدد التاجر عند الاستحقاق فقط.
وتبرز في التجارة مسائل خاصة. فالبضاعة المستلمة معيبة يمكن ردها مقابل تخفيض الدين، والتسليم الجزئي ينبغي أن يقابله ثمن جزئي، وعملة الفاتورة ينبغي أن تكون العملة التي يسدد بها الدين. ومن ينوي إعادة البيع قبل الاستحقاق فليتحقق من أن إعادة البيع لا تحول الدين الأصلي إلى اتفاق قائم على الفائدة، كأن يتفق على دفع مبلغ أكبر عند تمديد الأجل.
ومما يبطل البيع المؤجل بين التجار أن يشترط البائع زيادة الثمن إذا مدد المشتري الأجل بعد العقد؛ فالتأجيل اللاحق بزيادة هو صورة من صور ربا الجاهلية، أما الإمهال المجرد فمباح. وكل ما يتفق عليه بعد العقد ينبغي أن يوثق بمحضر مكتوب.
