الأوراق التجارية الإسلامية صكوك دين أو ملكية قصيرة الأجل، تقل مدتها غالباً عن سنة، تصدرها شركة أو مؤسسة مالية لتمويل رأس المال العامل. ويأتي عائدها من بيع حقيقي أو إجارة أو وكالة استثمار لا من فائدة، ولذلك تُسمى أيضاً صكوكاً قصيرة الأجل. وتقوم كل إصدارة على معاملة محددة تعتمدها هيئة شرعية قبل طرح الاكتتاب على المستثمرين.
من يصدر الأوراق التجارية الإسلامية ولأي غرض
ينقسم المصدرون إلى ثلاث فئات: شركات صناعية وتجارية تحتاج إلى سد فجوة موسمية، ومؤسسات مالية تدير سيولتها، وجهات عامة تنظم تدفقاتها النقدية بين مواعيد تحصيل الضرائب. ويجد أمين الخزينة في الأوراق التجارية الإسلامية حلاً مناسباً حين تكون الحاجة مؤكدة لكنها قصيرة، كدفع مستحقات الموردين قبل بيع محصول، أو تمويل دورة شحن مدتها تسعون يوماً.
وتؤدي الورقة التجارية الإسلامية دور الجسر أيضاً. فالشركة التي تعد صكاً طويل الأجل قد تصدر أولاً صكوكاً قصيرة الأجل، ثم تسددها من حصيلة الإصدار الكبير. أما المستثمرون فيودعون فيها فوائض نقدية لأسابيع أو أشهر دون الخروج من نطاق المنتجات المتوافقة مع الشريعة، ويقبلون عائداً متواضعاً مقابل أفق زمني قصير.
حاجة إلى السيولة لبضعة أشهر: متى تناسب الأوراق التجارية الإسلامية
الشركة التي تنتظر تحصيل مبيعاتها الموسمية تصدر في النظام التقليدي أوراقاً تجارية لثلاثة أو ستة أشهر تُشترى بخصم. ولما كان هذا الخصم فائدة مستترة، وجب على المُصدر الإسلامي أن يربط ورقته بمعاملة تجارية حقيقية.
لماذا يُشكل خصم الكمبيالة
شراء دين قيمته مئة بثمانية وتسعين وتحصيل مئة عند الأجل هو مبادلة نقد بنقد أكثر منه إلى أجل، وهذا ربا النسيئة. لذلك تشترط الشريعة أن ينشأ الربح من عين مبيعة أو مؤجرة أو من نشاط مُدار.
هيكل مرابحة وراء الورقة
يموّل المستثمرون شراء بضائع تبيعها الجهة المصدرة للشركة بربح يُدفع بعد ستة أشهر. فتمثل الورقة ديناً تجارياً: تُشترى بمئة وتدر مئة واثنين عند الاستحقاق، والربح محدد منذ البيع.
هل يجوز بيع الورقة قبل الاستحقاق؟
وفق معايير أيوفي لا يجوز نقل دين المرابحة إلا بقيمته الاسمية، مما يمنع قيام سوق ثانوية نشطة. وقد أجازت الجهات الماليزية تاريخياً بيع الدين بسعر متفاوض عليه، وهو رأي يرفضه أكثر العلماء في غيرها.
كيف يُبنى برنامج الأوراق التجارية الإسلامية
لا ينشئ أكثر المصدرين هيكلاً جديداً في كل مرة، بل يضعون برنامجاً بحد أقصى للمبالغ القائمة، ثم يصدرون شرائح منه كلما ظهرت حاجة. ويسمي البرنامج عادة منسقاً للإصدار ووسيطاً أو أكثر ووكيلاً للإصدار والدفع وهيئة شرعية يغطي اعتمادها العقود النموذجية. وتحتاج كل شريحة بعد ذلك إلى ملحق تسعير موجز يبين المبلغ والتاريخ وأجل الاستحقاق.
وتمتد آجال الأوراق التجارية الإسلامية في العادة من بضعة أيام إلى اثني عشر شهراً، ولهذا تجذب من يدير السيولة. ومع ذلك تحتاج كل شريحة إلى معاملة أساسية مستقلة: شراء جديد بالمرابحة، أو مدة إجارة جديدة، أو محفظة وكالة محددة. والتجديد يعني إصدار شريحة جديدة وتسوية السابقة، لا مجرد مد التاريخ الأصلي.
وتبين الوثائق كذلك من يملك الحق القانوني في الأصل طوال مدة الورقة، وما يحدث إذا تلفت البضاعة، وكيف تصل الحصيلة إلى وكيل الدفع. وتدقق الهيئة الشرعية في هذه البنود، لأن تبعة الملكية يجب أن تبقى على المستثمرين ما دامت الورقة قائمة. وهذه الصفة تميز صكوك قصيرة الأجل مشروعة عن مجرد دين مؤجل يُباع بسعر مخفض، وتحمي المستثمر من الظن بأن الورقة التجارية الإسلامية مجرد قرض قصير بتسمية جديدة، وهي خلاف ذلك لأنها تقوم على ملكية فعلية مؤقتة وعلى معاملة يمكن الرجوع إلى وثائقها.
جعل الأوراق التجارية المتوافقة مع الشريعة قابلة للتداول بأصول حقيقية
تجنباً لمنع بيع الدين، يمكن للمُصدر أن يربط الورقة بأصول ملموسة مؤجرة إجارةً أو بمحفظة تُدار بالوكالة. فيملك حاملها حصة شائعة في أصول يجوز تداولها بسعر السوق.
قاعدة غلبة الأصول الملموسة
تشترط هيئات شرعية كثيرة ألا تقل الأعيان والمنافع عن نصف المحفظة الأساسية، فلا تغلب عليها الديون أو النقود. فإذا غلبت الديون عادت الورقة ديناً لا يجوز تداوله بخصم.
محفظة وكالة يديرها المُصدر
يتلقى المُصدر الأموال بصفته وكيلاً، ويستثمرها في مزيج من الإجارة والمرابحة والأسهم المتوافقة، مستهدفاً عائداً تقديرياً. ويجوز أن يأخذ الفائض حافزاً، لكنه لا يضمن رأس المال إلا عند التعدي أو التقصير.
برامج الصكوك القصيرة في ماليزيا
طورت ماليزيا سوقاً نشطة جداً للأوراق التجارية الإسلامية، كثيراً ما تُجمع مع برامج متوسطة الأجل في وثائق موحدة. وتخضع الإصدارات لإرشادات هيئة الأوراق المالية الماليزية وتصنفها وكالات تصنيف محلية.
تسعير الأوراق التجارية الإسلامية وتكاليفها
مثال بسيط بأرقام مقربة لأوراق تجارية إسلامية قائمة على المرابحة: تشتري جهة الإصدار بضاعة بخمسة ملايين وتبيعها للمصدر بخمسة ملايين ومئة ألف تُدفع بعد ستة أشهر. ويحدد هامش المئة ألف يوم البيع ولا يزيد عند التأخر، لأن زيادة الدين مقابل التأجيل ربا. فيستلم من اكتتب بخمسة ملايين مبلغ 5,1 مليون عند الاستحقاق قبل الرسوم.
وتقلل الرسوم ما يوفره المصدر فعلاً، وتشمل أتعاب منسق الإصدار، والتصنيف الائتماني إن طُلب، ووكيل الدفع، والمستشار القانوني، والأتعاب السنوية للهيئة الشرعية. ويقارن كثير من المصدرين الهامش المتوقع بسعر بين المصارف، وتتسامح معه أغلب الهيئات مرجعاً مع أن العقد ينص على مبلغ ثابت.
ولتأخر السداد قاعدة مستقلة: فالغرامة المفروضة على المدين المتأخر تُصرف عادة في وجوه الخير ولا تدخل في دخل المستثمر، فلا ترفع عائد الورقة التجارية الإسلامية الموعود.
البنوك المركزية والمؤسسة الدولية لإدارة السيولة: صكوك قصيرة جداً
منذ عام 2013 تصدر المؤسسة الإسلامية الدولية لإدارة السيولة صكوكاً مصنفة قابلة للتداول لبضعة أشهر موجهة إلى المصارف الإسلامية في عدة دول. وتصدر بعض البنوك المركزية الخليجية كذلك صكوكاً قصيرة لامتصاص فائض السيولة.
خيار بنك إنجلترا
في عام 2017 أطلق بنك إنجلترا تسهيلاً بديلاً للسيولة قائماً على الوكالة ودون فائدة، يقبل الصكوك عالية الجودة ضماناً. وجاء استجابةً لندرة الأصول السائلة قصيرة الأجل المتاحة للمصارف الإسلامية البريطانية.
من يشتري هذه الأوراق وبأي سعر؟
المشترون في الغالب مصارف إسلامية وصناديق نقد متوافقة وشركات تكافل تبحث عن توظيف فوائضها لبضعة أسابيع. ويُحدد العائد كثيراً بالرجوع إلى سعر بين المصارف، بوصفه مؤشراً للتسعير تتسامح معه أكثر الهيئات.
تنبيهات للمستثمر
يتحقق المستثمر من حقيقة الأصول الأساسية، ومن وجود تعهد بالشراء بالقيمة الاسمية، وهو ما تمنعه أيوفي في صكوك الملكية، ومن السيولة الفعلية، إذ تبقى أوراق قصيرة كثيرة حتى الاستحقاق لعدم وجود مشترين.
مخاطر الصكوك قصيرة الأجل وما يُفحص قبل الاكتتاب
أول المخاطر إعادة التمويل: فعلى المصدر أن يسدد عند الاستحقاق، وقد لا يتمكن عند تشدد السوق من إصدار شريحة جديدة يسدد بها السابقة. ويليه خطر الائتمان، لأن المستثمر يعتمد على المدين في المرابحة أو المستأجر في الإجارة، ولا يفيد التصنيف إلا لمن فهم منهجيته.
ثم تأتي الحالة الشرعية للأوراق التجارية المتوافقة مع الشريعة. فاعتماد الهيئة يخص هيكلاً محدداً، وإذا تغير مزيج الأصول، كأن تغلب الديون على المحفظة، تغيّر حكم تداول الورقة. وتختم القائمة السيولة، إذ لا يضمن الأجل القصير وجود مشترٍ في السوق الثانوية.
- ما المعاملة الأساسية وراء هذه الشريحة بعينها، ومن يملك الأصول اليوم؟
- هل اعتماد الهيئة الشرعية ساري المفعول ويشمل هذه الشريحة؟
- هل يعد أي طرف بإعادة الشراء بالقيمة الاسمية؟
- ماذا يحدث إذا عجز المصدر عن تجديد الورقة عند الاستحقاق؟
الأوراق التجارية الإسلامية مقارنة بالسند التجاري التقليدي
يمكن بيع السند التقليدي بخصم وسداده بقيمته الاسمية، ويكون الفرق عائد المقرض. أما الأوراق التجارية الإسلامية فلا تستند إلى هذه الآلية، وتحتاج إلى بيع أو إجارة أو وكالة ينتج منها العائد. وهذا يطيل التحضير ويثقل الوثائق، لكنه يلزم المصدر بإظهار نشاط اقتصادي حقيقي.
وثمة فرق آخر في السداد المبكر. ففي السند التقليدي يُتفاوض ببساطة على سعر أقل عند التسوية المبكرة. أما في الصكوك قصيرة الأجل القائمة على المرابحة فلا يكون الحط عند السداد المبكر إلا تبرعاً من الدائن لا يجوز الوعد به مسبقاً. ولذلك يخطط أمناء الخزينة تدفقاتهم على التاريخ التعاقدي ولا يعولون على خروج مبكر.
ويترتب على ذلك فرق في التنظيم المحاسبي والرقابي أيضاً؛ فعلى المصرف الذي يستثمر في الأوراق التجارية الإسلامية أن يحفظ مستندات المعاملة الأساسية، وأن يقدمها للهيئة الشرعية عند التدقيق الدوري. وكلما كانت الوثائق أوضح، سهل إثبات أن عائد الأوراق التجارية الإسلامية ناتج عن بيع أو إجارة لا عن إقراض بفائدة، وانخفضت مخاطر الاعتراض على الإصدار لاحقاً.
ويفيد المستثمر أن يقارن بين أكثر من إصدار: مدة الورقة، وطبيعة الأصل، وسقف البرنامج، وسمعة الجهة المصدرة. فالورقة التجارية الإسلامية التي تعتمد على أصل واضح ومصدر معروف أيسر في المراجعة من ورقة غامضة الهيكل، حتى لو كان عائد الثانية أعلى بقليل.
