الهبة عقد تبرع ينقل به الواهب ملكية مال أو مبلغ نقدي إلى الموهوب له في حال حياته، طواعية ودون أي عوض. لا يلتزم المتلقي بشيء في مقابلها، ولا ينتظر الواهب منفعة مشروطة منها. وعند جمهور الفقهاء تلزم الهبة حين يقبض الموهوب له المال قبضا فعليا. وتظهر الهبة في الأعمال المالية عند الحديث عن حسابات الودائع والتكافل العائلي وتوزيع الثروة بين أفراد الأسرة.
الهبة في الواقع العملي: من يهب وماذا يهب وبأي صورة
يصح أن يكون محل الهبة كل مال يمكن حيازته تقريبا، كالنقود والسيارة والأرض والأسهم والذهب. والمهم أن يكون الواهب مالكا له فعلا. فمن وهب مالا لا يملكه، أو شيئا لن يوجد إلا في المستقبل، لم تنعقد هبته صحيحة. كما لا يكفي مجرد إعلان النية في الهبة ما دام الواهب لم يخرج المال من يده.
وفي الأسرة تعد الهبة الطريق المعتاد لتخصيص الأبناء أو الزوجة أو الوالدين بعطاء دون أن تتدخل أنصبة الميراث. وقد توجه كذلك إلى مؤسسة خيرية أو مسجد أو محتاج. أما ما يدفعه المرء مكافأة على خدمة سابقة فلا يبقى هبة، بل يصير معاوضة تسري عليها أحكام البيع أو الإجارة لا أحكام التبرعات.
الهبة كنقل للملكية بلا أي عوض
تنتمي الهبة إلى عقود التبرعات. فالواهب يخرج من ماله طوعا لمصلحة الموهوب له دون أن يطلب ثمنا أو خدمة. وهذا الطابع التبرعي يفسر لماذا يتسامح الفقهاء في الهبة مع قدر من الجهالة لا يقبل مثله في عقد البيع.
الأركان الأربعة للهبة الصحيحة
يشترط واهب بالغ عاقل مالك للمال، وموهوب له أهل للتملك يقبل بنفسه أو عن طريق وليه، ومال موهوب موجود مباح معين، ثم إيجاب وقبول يعبر عنهما بالقول أو بالكتابة أو بفعل واضح الدلالة.
لماذا يكون القبض هو ما يتم الهبة
يرى جمهور الفقهاء أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض الفعلي. فما دام المال في يد الواهب جاز له أن يرجع عن هبته، وإذا مات قبل التسليم بطلت الهبة في الأصل ولم ينتقل المال إلى الموهوب له.
هل يجوز الرجوع في هبة بعد قبضها؟
بعد القبض يمنع المالكية والشافعية والحنابلة الرجوع في الأصل، مستدلين بحديث شديد في ذم العائد في هبته. لكنهم يستثنون الأب فيما وهبه لولده، بينما للحنفية في الرجوع أحكام مختلفة لها ضوابطها وموانعها الخاصة.
الهبة بين الزوجين وبين الأقارب
تصح الهبة بين الزوجين والأقارب كما تصح بين الأجانب، غير أن القبض فيها يستحق عناية خاصة لأن الأموال تختلط في البيت الواحد. فإذا وهب الزوج زوجته حليا أو مبلغا، فالأولى أن يخصص لها بوضوح وتنفرد بحيازته، وأن يحرر ما يثبت ذلك. وكذلك يفعل من يهب لأحد والديه أو إخوته، حتى لا يلتبس العطاء بالنفقة الواجبة أو بالقرض الذي يسترد.
الهبة المشروطة: متى تتحول إلى عقد مستتر
إذا ربط الواهب هبته بعوض سماها الفقهاء قديما هبة الثواب أو الهبة بشرط العوض، وأكثرهم يعاملها معاملة البيع بكل ما فيه من التزامات ومحظورات. ومن سمى مبلغا ماليا هبة وهو يتوقع أن يسترد أكثر منه لاحقا وقع في الربا المحرم، لأن العبرة بالحقيقة الاقتصادية للعقد لا باسمه.
وتدق كذلك الشروط التي تعود بالنفع على الواهب نفسه. فاشتراط استعمال الأرض الموهوبة في حفر بئر للسقيا شرط لصالح الغير في وجه من وجوه البر، ولا حرج فيه في الغالب. أما أن يشترط الواهب حصة مستمرة من غلة المال الموهوب فيختلط عندئذ عقد الهبة بعقد المشاركة، ولا بد حينئذ من الفصل الواضح بين العقدين وإلا تعرض التصرف للبطلان.
الهبة في حسابات الودائع الإسلامية
في الحساب الجاري القائم على القرض أو الوديعة المضمونة لا يحق للمودع أن يشترط أي عائد. ومع ذلك يجوز للمصرف أن يمنحه بمحض إرادته هبة عارضة على سبيل الشكر، بشرط ألا يكون قد وعده بها عند فتح الحساب.
متى تشبه الهبة المنتظمة الفائدة الربوية؟
يذكر الفقهاء قاعدة المعروف عرفا كالمشروط شرطا. فإذا صرف المصرف كل شهر هبة محسوبة على رصيد الحساب بنسبة معلنة، صارت الهبة عوضا مستترا عن القرض، فتدخل في الربا المحرم ولا يغير اسمها من حقيقتها شيئا.
كيف تضبط المصارف هذا العطاء التقديري
في الواقع تقرر الإدارة أي صرف محتمل بعد رأي هيئة الرقابة الشرعية، دون معادلة منشورة أو مبلغ مضمون. وقد يتغير أو يتوقف أو لا يحدث أصلا، وعلى وثائق الحساب أن تبين ذلك للعميل بوضوح تام.
ما ينبغي أن يبحث عنه صاحب الحساب في الشروط
تحقق من العقد الذي يقوم عليه الحساب، ومن النص الصريح على أن أي هبة اختيارية، ومن غياب جدول للعوائد، ومن طريقة ضمان الرصيد. أما حساب التوفير ذو العائد فيقوم عادة على المضاربة أو الوكالة بآلية مختلفة.
توثيق الهبة وتسليمها: الخطوات العملية
ليثبت عقد الهبة عند النزاع ينبغي توثيق مراحله. وجوهر ذلك ثلاثة أمور: إعلان صريح من الواهب، وقبول من الموهوب له، وتسليم موثق. ففي المنقولات يكفي غالبا التسليم المباشر، وفي الحسابات المصرفية القيد باسم الموهوب له، وفي العقارات التسجيل في السجل العقاري أو الجهة المختصة.
- إقرار مكتوب بالهبة يتضمن التاريخ والمال الموهوب واسمي الطرفين
- دليل على التسليم مثل وصل استلام أو كشف حساب أو شهادة تسجيل عقاري
- موافقة الولي إذا كان الموهوب له قاصرا
- نص على أن العطية نهائية دون احتفاظ بحق الرجوع
وإذا كان الموهوب له قاصرا قبض له وليه أو أبوه. أما إن بقي الواهب متصرفا في المال ينتفع به كما كان قبل الهبة، فكثيرا ما ينازع الورثة بعد وفاته في وقوع التسليم الفعلي.
الهبة في الحياة أم الوصية بعد الوفاة؟
الوصية تنفذ بعد الموت، وتتقيد بثلث التركة، ولا تصح في الأصل لوارث. أما الهبة التي تتم في حال الحياة فلا تخضع لهذه القيود، ولذلك تستعمل أداة للتخطيط في توزيع الثروة داخل الأسرة.
هبة مرض الموت والعدل بين الأولاد
الهبة التي تقع في مرض الموت تأخذ حكم الوصية، فتتقيد بحدود الثلث. ويحث الفقهاء كذلك على العدل بين الأولاد في العطية، لأن حديثا نبويا أنكر على أب خص أحد أبنائه بعطية دون إخوته.
تسمية مستفيد على سبيل الهبة في التكافل العائلي
في بعض الأسواق يستطيع المشترك في التكافل العائلي أن يسمي مستفيدا يتسلم تعويض الوفاة على سبيل الهبة، بدلا من تقسيمه وفق أنصبة الميراث. ويجب أن توافق هذه التسمية القانون المحلي وقواعد الجهة المشغلة.
أمور يجب حسمها قبل توثيق الهبة
احرص على تحرير عقد مكتوب، وعلى تسليم فعلي للمال الموهوب، كتسجيل سند الملكية باسم الموهوب له، وراجع أحكام الضريبة على الهبات في البلد المعني. وسيؤكد لك محام وعالم مؤهل مدى المطابقة الشرعية بحسب حالتك.
أخطاء شائعة في الهبة وكيفية تجنبها
أكثر الأخطاء شيوعا نقص التسليم، كأن يعلن الواهب أن الدار لم تعد له ثم يبقى مسجلا مالكا لها ويواصل قبض أجرتها. ومن المشكلات أيضا الهبة التي يقصد بها الإضرار بالدائنين. فالمدين المستغرق في الديون لا يجوز له عند كثير من الفقهاء أن يتصرف في ماله تبرعا على حساب أصحاب الحقوق.
ويعرف الفقهاء كذلك صورا خاصة مثل العمرى، وهي هبة منفعة المال مدى الحياة. وعند أكثر المذاهب تعد هبة تامة، فيؤول المال بعد وفاة الموهوب له إلى ورثته. ولأن القوانين الوطنية وآراء أهل العلم تختلف في ذلك، يحسن عرض هذه الصور على مختص قبل إبرامها، مع مراعاة ضريبة الهبات في البلد المعني.
أسئلة تطرح على المستشار قبل الهبة
من يعتزم هبة مبلغ كبير يوفر على نفسه كثيرا من العناء إذا أجاب مسبقا عن عدة أسئلة. فالموثق أو المحامي يبين الشكل والضرائب، والعالم الشرعي يبين صحة العقد من الوجهة الدينية. ويجب أن يطلع الاثنان على الوقائع نفسها، ومنها أحوال الأسرة والديون القائمة.
الهبة وحقوق الورثة والدائنين
لا تمنع الهبة وحدها من النزاع بعد الوفاة، فإذا ظهر أن الواهب أعطى بعض أولاده دون بعض بلا مسوغ، أو وهب في مرض موته أكثر من ثلث ماله، جاز للورثة المطالبة بتصحيح الوضع بحسب الأحكام المرعية. ولذلك ينصح بتدوين سبب التخصيص كحاجة الابن المريض أو الطالب، وبالاستعانة بمن يحسن تقدير ثلث التركة قبل الإقدام على هبة عقارية كبيرة. وكلما اتضح القصد وتوثق التسليم قلت فرص الطعن في العطية.
- هل المال الموهوب خال من حقوق الغير كالرهن وحق الانتفاع؟
- هل يتم التسليم بحيث يتمكن الموهوب له من التصرف فيه فعلا؟
- هل هناك أولاد أو ورثة آخرون يتأثرون بالهبة وكيف يبرر العدل بينهم؟
- هل تستحق ضريبة على الهبة ومن يتحملها؟
- هل تبقى الهبة قائمة عند الطلاق أو الإفلاس أو وفاة الواهب؟
والهبة أداة جيدة ما دامت اختيارية خالصة. فإذا حاول أحد أن يضمن بها عائدا أو يستر بها التزامات، خرجت عن حقيقة التبرع.
