الإجارة عقد يملّك به المالك شخصا آخر منفعة عين أو خدمة مباحة لمدة معلومة وبأجرة معلومة، مع احتفاظه بملكية العين نفسها وتحمله المخاطر المترتبة على هذه الملكية طوال مدة العقد. وهي في المصارف الإسلامية أساس التأجير التمويلي، إذ تشتري المؤسسة الأصل ثم تؤجره للعميل بدل أن تقرضه ثمنه بفائدة.
المنفعة لا العين محل العقد
في البيع تنتقل ملكية العين نفسها، أما في الإجارة فلا يُملَّك إلا نفعها. فالمستأجر يدفع مقابل السكن أو الركوب أو الإنتاج، لا مقابل العين ذاتها، ومن هنا تنبع سائر الأحكام التالية.
أركان أربعة لا تقوم الإجارة بدونها
يشترط الفقهاء عاقدين أهلا للتعاقد، وصيغة إيجاب وقبول واضحة، ومنفعة معلومة، وأجرة معلومة. فإذا تخلف أحدها، كأجرة تُترك لتقدير المؤجر مستقبلا دون معادلة، فسد العقد بالغرر.
إجارة الأعيان وإجارة الأشخاص
يجمع الفقه الإسلامي تحت لفظ واحد إجارة العين واستئجار العمل. فالأجير المرتبط بصاحب عمل واحد أجير خاص، والصانع الذي يعمل لعدة عملاء كالخياط أجير مشترك، ولكل منهما أحكام ضمان مختلفة.
لماذا لا تجوز إجارة النقود
ما يُستهلك بالاستعمال كالطعام والوقود والنقود لا تصح إجارته، لأنه لا يُرد بعينه. فإجارة 10000 يورو تعني الإقراض بفائدة، وهذا هو الحد الفاصل بين الإجارة والربا.
التزامات المستأجر في عقد الإجارة
يلتزم المستأجر باستعمال العين فيما اتفق عليه في العقد أو فيما جرى به العرف، وبدفع الأجرة في مواعيدها، وبالمحافظة على العين محافظة الرجل المعتاد على ماله. فإذا استأجر شاحنة لنقل البضائع لم يجز له تحميلها فوق طاقتها ولا استعمالها في غرض يضر بها أكثر مما اتفقا عليه، فإن فعل ضمن ما ينشأ عن ذلك من تلف.
ويلتزم كذلك برد العين عند انتهاء المدة بالحالة التي تسلمها بها، مع استثناء ما نتج عن الاستعمال المعتاد من استهلاك طبيعي. والمصاريف التشغيلية، كالوقود أو الكهرباء أو رسوم الاستعمال، تقع عادة على المستأجر، بخلاف الصيانة الأساسية والتأمين اللذين يتحملهما المالك كما يقرر المعيار الشرعي.
ما يلقيه المعيار الشرعي رقم 9 على المالك
يحمّل معيار هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية الخاص بالإجارة المؤجرَ الصيانة الأساسية التي لا يمكن الانتفاع بالعين بدونها، وكذلك تأمين العين. وله أن يراعي ذلك في تحديد الأجرة، لكن لا يجوز له تحميل المستأجر هذا العبء بالشرط.
يد المستأجر يد أمانة
يحوز المستأجر العين حيازة أمانة، فلا يضمن هلاكها أو تلفها إلا بالتعدي أو التقصير أو مخالفة شروط العقد. وكل شرط يجعله ضامنا لأي هلاك ولو كان قضاء وقدرا شرط باطل.
تعجيل الأجرة والأجرة قبل التسليم
يجوز للطرفين الاتفاق على تعجيل الأجرة أو تأجيلها أو تقسيطها. غير أنه لا تستحق أجرة قبل تمكين المستأجر من العين، وما يُدفع قبل التسليم يعد دفعة مقدمة تُرد إذا لم تبدأ الإجارة.
الإجارة من الباطن بأجرة أعلى: اختلاف المذاهب
يجيز معيار الهيئة للمستأجر أن يؤجر من الباطن ما لم يمنعه العقد الأصلي، ولو بأجرة أعلى. أما المذهب الحنفي فلا يبيح له الاحتفاظ بالفرق إلا إذا أحدث في العين تحسينا، وإلا استحب التصدق بالزيادة.
التأخر في دفع الأجرة وإنهاء الإجارة قبل أوانها
إذا تأخر المستأجر في سداد الأجرة فلا يجوز للمؤجر أن يفرض عليه زيادة تحتسب مع الزمن، لأن ذلك ربا. وتجيز هيئات شرعية كثيرة أن يُنص في العقد على غرامة تأخير يتبرع بها المدين المماطل لجهات خيرية، فلا تدخل في إيراد المؤسسة. أما التعويض عن ضرر فعلي ثابت فتختلف الآراء في مدى جوازه وشروطه.
ويجوز فسخ عقد الإجارة قبل انتهاء مدته باتفاق الطرفين، أو بحكم القاضي إذا ظهر عيب جوهري في العين يمنع الانتفاع بها، أو إذا هلكت العين هلاكا كليا فتنفسخ الإجارة تلقائيا. وعند الإنهاء المبكر تُحسب الأجرة المستحقة عن المدة التي انتفع فيها المستأجر فقط، ولا يستحق المؤجر أجرة عن مدة لم يتحقق فيها انتفاع.
عيوب العين المؤجرة وخيار الفسخ
إذا ظهر في العين عيب يقلل نفعها ولم يكن المستأجر عالما به عند العقد، فله أن يطلب الإصلاح أو إنقاص الأجرة بما يقابل العيب، فإن تعذر ذلك كان له الفسخ. وينبغي أن يوثق الطرفان حالة العين عند التسليم بمحضر مصور، لأن النزاع على حالة العين من أكثر أسباب الخلاف في الإجارة الطويلة.
مراجعة الأجرة دون الوقوع في الغرر
في الإجارة الطويلة يجب تحديد الأجرة الأولى بمبلغ معلوم، ويجوز ربط ما بعدها بمؤشر منشور وفق معادلة يعلمها الطرفان من البداية. وتصبح أجرة كل فترة جديدة مبلغا ثابتا قبل بدئها، وغالبا ما تُقيد بحد أدنى وحد أعلى.
مثال: مستودع مؤجر لخمس سنوات
يؤجَّر مستودع بـ 4000 يورو شهريا في السنة الأولى، ثم تُراجع الأجرة سنويا وفق مؤشر بسقف 5 في المئة. فإذا ارتفع المؤشر 7 في المئة صارت الأجرة 4200 يورو، وإذا انخفض جاز أن ينخفض المبلغ الجديد بقدره.
بيع العين أو وفاة أحد العاقدين أثناء الإجارة
يجوز للمالك أن يبيع العين المؤجرة لغيره، فيحل المشتري محله في الإجارة ويستوفي الأجرة. وعند وفاة أحد العاقدين يرى الحنفية أن العقد ينفسخ، بينما يرى جمهور المذاهب الأخرى أنه يستمر مع الورثة.
من الإجارة الثنائية إلى صكوك الإجارة المدرجة في ماليزيا
يقوم العقد نفسه أساسا لصكوك الإجارة، إذ يملك المستثمرون عينا مؤجرة ويحصلون على أجرتها. وفي ماليزيا تشرف هيئة الأوراق المالية ومجلسها الاستشاري الشرعي على هذه الإصدارات وتشترط أن تكون العين محل الصكوك معينة ومؤجرة فعلا.
الإجارة التمويلية مقارنة بالتأجير التقليدي
في التأجير التمويلي التقليدي كثيرا ما يُحمَّل المستأجر كل مخاطر الأصل، من هلاك وتأمين وصيانة، كأنه المالك، بينما تكتفي الجهة المؤجرة بتحصيل أقساط تغطي ثمن الأصل وفائدته. أما في الإجارة المشروعة فتبقى هذه التبعات الجوهرية على المالك، وهذا ما يجعل الأجرة مقابل منفعة حقيقية لا مقابل قرض مستتر.
ويظهر الفرق كذلك في الأجرة نفسها. فالأجرة تُحدد بالنظر إلى قيمة الانتفاع في السوق وبحسب مدة العقد، ويمكن ربطها بمؤشر معلوم لا يصبح هو المقصود، على أن يعلم الطرفان طريقة حسابها منذ البداية. ولا يصح أن تكون الأجرة مجرد فائدة على مبلغ مقترض تحت اسم آخر.
مثال: تأجير معدة طبية لعيادة
تشتري مؤسسة مالية جهاز تصوير طبي ثم تؤجره لعيادة لمدة أربع سنوات بأجرة شهرية ثابتة. تتحمل المؤسسة الصيانة الأساسية والتأمين، وتتحمل العيادة تشغيل الجهاز واستهلاكاته. وإذا تعطل الجهاز عطلا يمنع الانتفاع به أسقطت الأجرة عن مدة التعطل، وبهذا يتبين أن المؤسسة شريكة في مخاطر الأصل لا مجرد ممولة.
الإجارة على الخدمات والأعمال
صيغ الإجارة المستخدمة في التمويل
في التأجير التمويلي الإسلامي، تشتري المؤسسة المالية أصلاً ثم تؤجره للعميل مدة محددة مقابل أجرة دورية. وبحسب مصير الأصل عند انتهاء العقد، تُميَّز عدة صيغ للعقد.
الإجارة المنتهية بالتمليك
يؤدي هذا الإيجار المقترن بالبيع إلى أن يصبح المستأجر مالكاً للأصل في نهاية مدة الإجارة. وكثيراً ما يُستخدم في العقارات والمركبات.
الإجارة ثم البيع
يجري العقد على مرحلتين: يُؤجَّر الأصل أولاً مدة محددة، ثم يتولى عقد بيع مستقل نقل الملكية من المؤجِّر إلى المستأجر.
الإجارة الموصوفة في الذمة
يُوصَف الأصل المراد تأجيره بمواصفاته، دون أن يكون معيَّناً أو موجوداً وقت التوقيع. وتناسب هذه الصيغة المعدات التي لا يزال يجب تصنيعها أو بناؤها.
لا تقتصر الإجارة على الأعيان، فهي تشمل استئجار الأعمال كالتعليم والنقل والإصلاح والبناء بأجر معلوم. ويشترط في هذه الصورة تحديد العمل تحديدا ينفي الجهالة، كأن يُذكر نوع الخدمة ومدتها ومكانها وعدد ساعاتها، وأن تكون الأجرة معلومة القدر. ويجوز في الخدمات المعقدة ربط جزء من الأجرة بإنجاز مراحل محددة، بشرط أن تكون المراحل واضحة قابلة للتحقق. ويستحسن أن يُنص على من يتحمل الأدوات والمواد، وعلى مصير الأجرة إذا توقف العمل لسبب خارج عن إرادة الأجير، حتى لا يتحول الخلاف إلى نزاع على أصل العقد.
أسئلة يطرحها المستأجر قبل توقيع عقد الإجارة
قبل التوقيع ينبغي للمستأجر أن يتحقق من أن المؤجر يملك العين فعلا أو يملك حق تأجيرها، ومن أن مواصفات العين ومدتها ومقدار الأجرة وطريقة مراجعتها مذكورة بوضوح في العقد. ويحسن أن يسأل من يتحمل الصيانة الأساسية، ومن يؤمّن العين، وما مصير الأجرة إذا تعطلت العين بسبب لا يد للمستأجر فيه.
- هل تملك المؤسسة الأصل وقت إبرام عقد الإجارة أم ستشتريه لاحقا؟
- من يتحمل الصيانة الأساسية والتأمين بحسب نص العقد؟
- كيف تُحسب الأجرة بعد السنة الأولى، وهل لها سقف وحد أدنى؟
- ما أثر التأخر في السداد، وإلى أين تذهب غرامة التأخير؟
- هل يجوز التأجير من الباطن، وبأي شروط؟
والإجابة الكتابية عن هذه الأسئلة تفرق بين الإجارة الصحيحة وعقد تمويل مقنّع، وتحمي الطرفين من خلاف كان يمكن تجنبه من أول يوم.
