تفويض مدير مستقل بإدارة المحفظة وفق الشريعة: الوكالة بالاستثمار

تفويض مدير مستقل بإدارة المحفظة وفق الشريعة: الوكالة بالاستثمار

من التفويض التقديري إلى الصناديق الماليزية: دور المدير والرسوم وتحمل الخسائر والرقابة الشرعية على الاستثمارات.

الوكالة بالاستثمار عقد يعين فيه المستثمر، وهو الموكل، مديرا محترفا بصفته وكيلا لاستثمار أمواله في أصول متوافقة مع أحكام الشريعة مقابل أجرة متفق عليها. يده على المال يد أمانة، ونتيجة الاستثمار كلها للموكل ربحا وخسارة، فلا يستحق الوكيل حصة من الربح بل أجرة محددة أو حافزا يتفق عليه، ولا يضمن إلا عند التعدي أو التقصير أو مخالفة شروط التوكيل.

كيف تنشأ الوكالة بالاستثمار

تبدأ الوكالة بالاستثمار بتوكيل مكتوب يبين الموكل والوكيل ومبلغ المال والغرض منه. ولأن الوكيل لا يتصرف إلا فيما أذن له فيه الموكل، يحتاج العقد إلى سياسة استثمار تحدد الأصول المسموح بها وحدود التركز والعملات المقبولة وصلاحية البيع وإعادة الاستثمار دون الرجوع إلى الموكل في كل صفقة.

وتؤثر صياغة التوكيل في عقد الوكالة بالاستثمار في كل ما يأتي بعده. فعبارة استثمر بحكمة تترك للوكيل مجالا ليدعي أن كل شراء كان مأذونا به، بينما تعطي قائمة فئات الأصول الموكل معيارا يقيس به عمل الوكيل. ويرفق كثير من المستثمرين المؤسسيين بالعقد معايير الفحص الشرعي واسم هيئة الرقابة الشرعية.

ويجب أن تذكر الأجرة في وثيقة العقد نفسها، مع مواعيد دفعها والأساس الذي تحسب عليه. فالأجرة المبهمة تفتح الباب لنزاع عند كل مطالبة، وقد تصبح هي ذاتها مصدر غرر يلقي ظلالا على صحة الوكالة بالاستثمار كلها.

ويلزم كذلك أن يكون الوكيل أهلا للتصرف وأن يكون موضوع التوكيل مشروعا. فلا تصح الوكالة بالاستثمار في نشاط محرم أو في أداة تقوم على الفائدة، ولو أذن الموكل بذلك صراحة، لأن الإذن لا يحل ما حرمته الشريعة.

عقد وكالة في الإدارة لا شركة في الربح

في الوكالة بالاستثمار لا يكون المدير شريكا ولا مقترضا، بل وكيلا عن المستثمر. فنتيجة المحفظة كلها للموكل، ولا يأخذ المدير إلا أجرة وكالة محددة سلفا، بصرف النظر عن الربح المحقق فعلا.

وكالة مقيدة أم وكالة مطلقة؟

قد تقيد الوكالة بفئة أصول أو منطقة أو مدة، كصكوك سيادية بالدولار مثلا، وقد تترك مطلقة في حدود الشريعة. والمدير الذي يتجاوز النطاق المتفق عليه يضمن الخسائر الناتجة عن هذا التجاوز.

التعدي والتقصير ومخالفة نطاق الاستثمار

يد الوكيل يد أمانة، فلا يضمن هبوط السوق. ولا يضمن رأس المال إلا إذا تعدى أو قصر في الإدارة أو خالف شرطا، كأن يشتري سهما يستبعده المعيار الشرعي المنصوص عليه في عقد الوكالة.

ماذا يقرر المعيار الشرعي رقم 23 لأيوفي؟

يحدد هذا المعيار الخاص بالوكالة شروط صحة العقد وجواز الأجرة والحالات التي يضمن فيها الوكيل والقواعد المتعلقة بالعزل. وتستند إليه شركات إدارة الأصول الإسلامية في صياغة عقودها، إلى جانب متطلبات الجهة الرقابية في بلدها.

لمن تعود ملكية الأصول في الوكالة بالاستثمار؟

تبقى الأصول المشتراة ملكا للموكل لا للوكيل. لذلك تسجل الأوراق المالية باسم المستثمر أو باسم أمين حفظ يمسكها له، ويملك الوكيل إصدار أوامر الشراء والبيع دون أن يملك ما يشتريه. وهذا ما يميز الوكالة عن الشراكة التي تختلط فيها الأموال.

وتظهر أهمية ذلك إذا تعثر الوكيل أو أفلس. فالأصول المحفوظة في حسابات مستقلة لا تدخل في تركته ولا في أموال دائنيه ويمكن تتبعها واستردادها، أما الأموال المخلوطة بأمواله فتثير نزاعا حول من يملك ماذا. فاطلب اسم أمين الحفظ وتأكيدا بأن حيازتك مقيدة على حدة.

ومعيار مسؤولية الوكيل هو بذل العناية المعتادة في إدارة مال غيره، لا تحقيق نتيجة معينة. فإن بذل جهد المدير الحريص وخسرت المحفظة بسبب السوق فلا ضمان عليه، وإن أهمل التحقق من الأصل أو تجاهل قيدا مكتوبا فعليه الضمان بقدر ما نتج عن إهماله.

وتحتاج الوكالة بالاستثمار إلى إذن في توكيل الغير كذلك. فليس للوكيل أن يوكل مديرا ثانيا بغير إذن الموكل في الأصل، وإذا أذن العقد بذلك وجب أن ينص على من يدفع أجرة الوكيل الثاني وهل يبقى الوكيل الأول مسؤولا أمام الموكل عن النتيجة.

أجرة الوكيل في الوكالة بالاستثمار منفصلة عن الربح

تحدد أجرة الوكالة عند التعاقد، إما مبلغا مقطوعا وإما نسبة من رأس المال أو من صافي قيمة الأصول، كواحد في المئة سنويا مثلا. وتبقى مستحقة ولو انخفضت قيمة المحفظة، فتشبه بذلك رسوم إدارة الصندوق التقليدي.

حافز أداء فوق العائد المستهدف

تضيف عقود كثيرة حافزا: إذا تجاوز العائد هدفا معينا، خمسة في المئة مثلا، ذهب الفائض كله أو بعضه إلى المدير. فإذا بلغ العائد ستة ونصفا في المئة أمكن للمدير أن يأخذ النقطة والنصف الزائدة بحسب الاتفاق.

مثال رقمي على تفويض بعشرة ملايين رينغيت

يسلم صندوق تقاعد عشرة ملايين رينغيت لمدة سنة بأجرة قدرها 0.8 في المئة. تربح المحفظة 600 ألف رينغيت، فيأخذ المدير 80 ألفا ويحتفظ المستثمر بـ520 ألفا. وإذا خسرت 300 ألف تحملها المستثمر ودفع الأجرة مع ذلك.

لماذا تستحق الأجرة حتى عند انخفاض المحفظة؟

يأخذ الوكيل أجره مقابل عمله لا مقابل النتيجة، كالمهني الذي يتقاضى أجرا عن كل مهمة. وهذا هو الفرق الجوهري مع المضاربة، إذ لا يستحق المضارب شيئا إذا لم يتحقق ربح، لأن حقه حصة شائعة من الربح فقط.

العائد المتوقع وحافز الأداء في وكالة الاستثمار

تستعمل المصارف الوكالة بالاستثمار كثيرا في التوظيفات بين المؤسسات. يسلم المصرف المستثمر مبلغا إلى المصرف الوكيل فيعلن هذا الأخير معدل ربح متوقعا، لنقل أربعة ونصفا بالمئة. والمعدل المتوقع تقدير لا وعد، ويجب أن يوضح العقد أن للمستثمر ما يتحقق فعلا من نتيجة الاستثمار.

والوسيلة المعتادة هي الحافز. فإذا زاد العائد الفعلي على المعدل المتوقع ذهبت الزيادة إلى الوكيل مكافأة له، وإذا ساواه أو نقص عنه أخذ المستثمر ما تحقق ولم يأخذ الوكيل شيئا إضافيا. ولا يجوز للوكيل أن يتعهد بتعويض النقص، لأن ذلك يعني ضمان رأس المال والربح.

وتتضح فائدة الحافز في حماية الموكل، لأنه لا يكافأ الوكيل إلا إذا جاوز المعدل الذي أعلنه. غير أن نسبة الزيادة التي تؤول إليه يجب أن تحدد في العقد قبل التنفيذ، وبدونها قد ينشأ نزاع حول من يستحق الفائض كله أو بعضه.

فإذا كان التوظيف عشرين مليونا بمعدل متوقع أربعة ونصف بالمئة وتحقق عائد فعلي 5.1 بالمئة، فللمستثمر تسعمئة ألف وللوكيل مئة وعشرون ألفا حافزا. وهذه الأرقام توضيح لطريقة الحساب لا معيار ثابت، فلكل عقد شروطه.

صناديق ومحافظ الوكالة في السوق الماليزية

تعتمد صناديق إسلامية وتفويضات مؤسسية كثيرة في ماليزيا على صيغة الوكالة. وتشرف هيئة الأوراق المالية على شركات إدارة الصناديق الإسلامية ومستشاريها الشرعيين، بينما أصدر بنك نيغارا ماليزيا وثيقة سياسات خاصة بالوكالة للمصارف.

ما الأوراق المالية التي يجوز للمدير شراؤها؟

لا يشتري المدير إلا أصولا مجازة: أسهما تجتاز معايير النشاط والنسب المالية، وصكوكا، وإيداعات مصرفية إسلامية، وعقارات متوافقة. وفي ماليزيا تنشر هيئة الأوراق المالية قائمة الأوراق المدرجة في بورصة ماليزيا التي يعدها مجلسها الاستشاري الشرعي متوافقة.

تطهير الأرباح الموزعة الناتجة جزئيا عن فوائد

قد تحصل شركة اجتازت المعايير على جزء يسير من دخلها من الفوائد. فيحسب المدير النسبة المقابلة من الأرباح الموزعة المقبوضة ويصرفها في وجوه الخير بتوجيه الهيئة الشرعية، دون أن يستعملها أبدا في أجرته.

الفروق مع إدارة المحافظ التقليدية

تتشابه الرسوم والتقارير مع الإدارة التقليدية. أما الفروق ففي نطاق الأصول المسموح بها، وغياب الرافعة الممولة بقروض ربوية، ومنع البيع على المكشوف، وعدم جواز التعهد التعاقدي للمستثمر بعائد أدنى.

التقارير والتقويم وإنهاء الوكالة بالاستثمار

من حق الموكل في الوكالة بالاستثمار أن يعرف ما يجري في ماله. وتغطي التقارير في العادة المحتويات والتقويم والصفقات والأجور المحملة والتزام الفحص الشرعي، وتناسب دوريتها طبيعة المحفظة، فتكون شهرية للمحفظة السائلة وفصلية لتلك المستثمرة في أصول أقل سيولة.

وعقد الوكالة عقد جائز في الأصل، فيحق لكل من الطرفين إنهاؤها بالإخطار. ولا يمحو الإنهاء ما تم قبله، إذ يلزم الوكيل بتسليم الأصول وتقديم حساب عن المتحصلات، ويجوز له المطالبة بالأجرة المستحقة إلى ذلك التاريخ ما لم ينص العقد على قاعدة أخرى للخروج المبكر.

وقبل توقيع عقد الوكالة بالاستثمار قارن الأجرة المذكورة بما يتقاضاه مدير تقليدي مماثل عن النطاق الاستثماري نفسه، واسأل كيف يثبت الإخلال بالضوابط. فطريق واضح يتيح للموكل إثبات المخالفة أنفع له من قائمة طويلة من الوعود.

وانتبه أخيرا إلى التكاليف الجانبية. فإلى جانب أجرة الإدارة قد تضاف رسوم الحفظ وتكاليف التداول ورسوم المنتجات المشتراة. ومن يقيم وكالة الاستثمار فليطلب بيانا بجميع هذه البنود ويحسب العبء السنوي الكلي نسبة من رأس المال، فهذه النسبة وحدها تجعل العروض قابلة للمقارنة.

وعلى الموكل أن يحتفظ بنسخة من التقارير الدورية ومن إخطارات الصفقات الكبرى، فهي الدليل الذي يعتمد عليه إذا نشأ خلاف حول التزام الوكيل بنطاق التوكيل، وهي أيضا ما تطلبه هيئة الرقابة الشرعية عند مراجعة المحفظة.

جهات تقدّم هذه الخدمات

  • الإمارات الإسلامي : وديعة الوكالة بالاستثمار التي يعلن فيها المصرف معدل ربح متوقعا ويستثمر المبلغ بصفته وكيلا.

عرض قسم «عقود التمويل الإسلامي» كاملاً →