الاعتماد المستندي الإسلامي: وكالة أم مرابحة أم مشاركة؟ ثلاث صيغ لخطاب الاعتماد

الاعتماد المستندي الإسلامي: وكالة أم مرابحة أم مشاركة؟ ثلاث صيغ لخطاب الاعتماد

اختيار العقد الأساسي بحسب ما إذا كان المستورد يدفع نقداً أو آجلاً أو يشارك البنك في الصفقة.

الاعتماد المستندي الإسلامي تعهد بالدفع يصدره البنك لصالح بائع أجنبي مقابل مستندات مطابقة، ويقوم على عقد متوافق مع الشريعة، وكالة بأجر أو مرابحة أو مشاركة، يحدد من يملك البضاعة خلال العملية وكيف يُكافأ البنك على دوره دون أي فائدة. ويخدم المستورد الذي يريد أن يمنح مورده ضمان الدفع، والمصدّر الذي يريد أن يقبض ثمن بضاعته مقابل مستندات مطابقة دون الاعتماد على كلمة المشتري وحدها.

المستندات التي يقوم عليها الاعتماد المستندي الإسلامي

يُسدَّد الاعتماد المستندي الإسلامي مقابل أوراق لا مقابل البضاعة نفسها. وتتألف المجموعة المعتادة من الفاتورة التجارية، ومجموعة كاملة من بوالص الشحن النظيفة المشحونة على ظهر السفينة، وقائمة التعبئة، وشهادة المنشأ، وشهادة التأمين، إضافة إلى أي شهادة فحص يطلبها المشتري. ووفق الأعراف الموحدة UCP 600 الصادرة عن غرفة التجارة الدولية يفحص المصرف هذه الأوراق من ظاهرها فقط ولا يعاين الشحنة.

ولأن خطاب الاعتماد الإسلامي مستقل عن عقد البيع، لا يقبض المورد ثمن بضاعة وُثِّقت شحنتها توثيقاً سيئاً، ولا يملك المستورد أن يمتنع عن الدفع لمجرد أن الشحنة لم تعجبه بعد وصولها. ويضيف المصرف الإسلامي إلى ذلك مراجعة وصف السلعة في الفاتورة لأنه يجب أن يدل على سلعة مباحة، ومراجعة شرط التأمين الذي يُفضَّل أن يكون تكافلياً لا تقليدياً.

وتمنح القواعد نفسها المصرف المصدر مهلة أقصاها خمسة أيام عمل مصرفية بعد التقديم ليقرر هل المستندات مطابقة. وهذه المهلة تهم مرتين في الاعتماد المستندي المتوافق مع الشريعة المرتبط بمرابحة: فلا بد أن يتسلم المصرف مستندات الشحن ويصبح مالكاً قبل أن يبيع، وكل يوم يضيع يؤخر اللحظة التي يستطيع فيها المستورد تخليص بضاعته من الجمارك.

ويحسن بالمستورد أن يحدد في الطلب قائمة المستندات المطلوبة بدقة، فكل مستند يُطلب زيادة عن الحاجة يرفع كلفة الإصدار ويضاعف فرص الخلاف مع المورد. ويكفي في الغالب عدد قليل من المستندات الجوهرية التي تثبت الشحن والملكية والتأمين والمنشأ، على أن يُترك لعقد البيع الأصلي تفصيل ما عدا ذلك.

ما الذي يضيفه خطاب الاعتماد إلى التجارة الدولية؟

قد لا يعرف البائع الأجنبي المشتري فيخشى الشحن دون أن يقبض الثمن، ويخشى المشتري أن يدفع دون أن يتسلم البضاعة. فيتوسط البنك بتعهده بالدفع مقابل مستندات مطابقة، فيحل التزام البنك محل الثقة الشخصية بين الطرفين.

ثلاث صيغ وثلاثة أنماط لتوزيع المخاطر

لا يستطيع البنك الإسلامي أن يُقرض المستورد مالاً بفائدة ليدفع للمورد، لذا يختار عقداً: وكالة مجردة إذا دفع المستورد بنفسه، أو شراءً ثم بيعاً إذا موّل البنك، أو مشاركة إذا تقاسما تكلفة البضاعة.

الوكالة حين يملك المستورد المال اللازم

يودع المستورد كامل المبلغ ويوكّل البنك في فتح الاعتماد وفحص المستندات والدفع للبائع. ويتقاضى البنك أجرة وكالة ثابتة لا علاقة لها بمدة أي أجل أو تمويل، ويبقى المال المودع ملكاً للمستورد إلى أن يُدفع للبائع.

لماذا يجب أن يكون الأجر مقابل خدمة حقيقية؟

يجيز معيار AAOIFI للبنك أن يتقاضى رسوماً على فتح الاعتماد وفحص المستندات والإشعار، لأنها خدمات فعلية. لكنه يمنع ربط الأجر بالمدة التي يقدّم فيها البنك المال، لأن ذلك يكون فائدة ربوية.

اعتماد مستندي إسلامي بالاطلاع أم مؤجل أم معزَّز؟

يُلزم الاعتماد المستندي الإسلامي بالاطلاع المصرفَ بأن يدفع فور تقديم مستندات مطابقة. ويلائم صيغة الوكالة التي تكون فيها أموال العميل مودَعة لدى المصرف أصلاً، كما يلائم مرابحة يدفع فيها المصرف للمورد فوراً ويترك للعميل أن يسدد لاحقاً. والتأجيل الذي يهم هنا هو سداد العميل لا دفع المورد.

أما الاعتماد المؤجل الدفع فيعد المورد بالدفع في تاريخ لاحق، كتسعين يوماً بعد تاريخ بوليصة الشحن. وتسدّ المصارف التقليدية هذه الفجوة غالباً بخصم الحق المؤجل. أما خطاب الاعتماد الإسلامي فيحتاج إلى طريق آخر، كأن يشتري المصرف البضاعة مرابحةً ويدفع للمورد عند الاستحقاق بثمن بيع يتحدد مرة واحدة ولا يتغير.

والاعتماد المعزَّز يضيف تعهد مصرف ثانٍ، يكون عادة في بلد المصدّر، يحمي المورد من مخاطر الدفع لدى المصرف المصدر أو لدى بلده. ويتقاضى المصرف المعزِّز عمولة عن ذلك. وتقدير ما إذا كان يجوز احتسابها بحسب المخاطرة متروك لكل هيئة شرعية، لذا ينبغي للمستورد أن يسأل أي فتوى تحكم تعزيز الاعتماد المستندي الإسلامي قبل أن يقبل بتحمل هذه الكلفة.

المرابحة حين يموّل البنك عملية الشراء

إذا أراد المستورد أن يدفع لاحقاً، يشتري البنك البضاعة بنفسه من البائع الأجنبي عبر الاعتماد. وبعد تسلّم مستندات الملكية يبيعها لعميله بربح معلوم يُسدَّد في أجل محدد يتفق عليه الطرفان مسبقاً عند توقيع عقد البيع.

متى يصبح البنك مالكاً للبضاعة؟

لا يصح البيع للعميل إلا بعد أن يتملك البنك البضاعة ويتحمل ضمانها، ويكون ذلك عادةً عند تظهير بوليصة الشحن باسمه. فإن وقّع العميل عقد المرابحة قبل ذلك فقدت المعاملة مشروعيتها.

المشاركة لاقتسام صفقة الاستيراد

يقدم المستورد جزءاً من الثمن ويقدم البنك الباقي، فيصبحان شريكين في ملكية الشحنة. وعند بيع البضاعة يُقسم الربح بنسبة متفق عليها، أما الخسارة إن وقعت فتكون بقدر حصة كل منهما في رأس المال.

صيغة بديلة: شراء حصة البنك تدريجياً

في بعض صفقات المشاركة في الاستيراد يشتري العميل حصة البنك شيئاً فشيئاً كلما باع جزءاً من المخزون. وتناسب هذه الآلية الموزعين الذين يصرّفون بضائعهم على دفعات خلال عدة أشهر بدلاً من بيعها مرة واحدة.

مثال عددي على الاعتماد المستندي الإسلامي بالمرابحة

لنفترض مستورداً يطلب قطع غيار لآلات تبلغ قيمتها في الفاتورة 200000 دولار أمريكي. ففي الاعتماد التقليدي المؤجل تتراكم الفوائد على المبلغ الذي دفعه المصرف إلى حين سداده. أما في الاعتماد المستندي الإسلامي فيشتري المصرف القطع ويتسلم مستندات الشحن لأمره ثم يبيعها للمستورد بثمن واحد متفق عليه مسبقاً. والأرقام الواردة هنا مفترضة لغرض الشرح فقط ولا تعبّر عن أسعار أي مؤسسة.

ولنفترض أن الربح المتفق عليه 12000 دولار، فيكون ثمن البيع 212000 دولار يُسدَّد على ستة أقساط شهرية متساوية قيمة كل منها نحو 35333. وبمجرد توقيع العقد يصبح هذا المجموع نهائياً. فإذا سدد المستورد بعد أربعة أشهر بدل ستة، فلا يلتزم المصرف بإعطائه حسماً، وإن أعطاه فالغالب أن تشترط الهيئات الشرعية ألا يكون قد وُعد به في العقد.

أما عمولة إصدار خطاب الاعتماد الإسلامي ورسائل سويفت والتعديلات فتُحتسب على حدة وتعكس العمل المنجز، ولا يجوز دمجها في ربح المرابحة بحسب المدة. وهكذا تُظهر قراءة عرض المصرف سطراً سطراً بندين منفصلين: أجور الخدمات من جهة، وهامش بيع ثابت من جهة أخرى.

ويبقى ما سبق مثالاً مبسطاً، فالحياة العملية تضيف تكاليف أخرى كرسوم التخليص الجمركي وأجور النقل الداخلي وأقساط التأمين التكافلي. ويستحسن أن يجمع المستورد كل هذه البنود في جدول واحد قبل التوقيع ليعرف الكلفة الكلية للصفقة لا ثمن البضاعة وحده، وأن يقارنها بعرض آخر على أساس العناصر نفسها.

من جهة المصدّر: القبض من بنك إسلامي

المصدّر الذي يتلقى اعتماداً من بنك إسلامي يتمتع بالتعهد بالدفع نفسه الذي يقدمه البنك التقليدي. وكل ما عليه أن يقدم مستندات مطابقة، أما الهيكلة الشرعية الداخلية بين البنك والمستورد فلا تمسّه مباشرة.

التمويل المسبق للصادرات دون خصم

بدلاً من خصم الاعتماد الذي تلقاه، يمكن للمصدّر أن يحصل من بنكه على تمويل بالسلم أو الاستصناع لإنتاج البضاعة، أو على مرابحة لشراء المواد الخام. أما بيع الدين بثمن أقل فيبقى مرفوضاً في الغالب.

البضائع المحرمة ومراقبة محل العقد

على البنك أن يتحقق من أن الشحنة لا تتضمن خموراً أو لحم خنزير أو أسلحة غير مشروعة أو سلعاً موجهة لنشاط محرم. وتضاف هذه الرقابة على محل العقد إلى الفحوص المعتادة للعقوبات الدولية ومكافحة غسل الأموال.

اختيار الصيغة المناسبة لمنشأتك

تفضّل المنشأة التي تملك سيولة صيغة الوكالة لأنها الأقل كلفة، ويختار المستورد الذي يبيع بسرعة المرابحة لأجل سداد محدد، أما من يريد اقتسام المخاطر التجارية فيلجأ إلى المشاركة بعد استشارة الهيئة الشرعية.

مخاطر عملية في الاعتماد المستندي الإسلامي

العملة هي أول ما يتعرض له الاعتماد المستندي الإسلامي من مخاطر. فإذا فوتر المورد بالدولار وحُدد ثمن المرابحة بالعملة نفسها، تحمّل المستورد تقلب سعر الصرف على إيراداته المحلية طوال مدة الأقساط. والتحوط بعقد آجل تقليدي مختلف فيه بين العلماء، فاسأل أي تحوط، إن وجد، تقبله الهيئة الشرعية للمصرف.

وتاريخ الانتهاء سبب كثير من الإخفاقات. فخطاب الاعتماد الذي ينتهي قبل الشحن، أو مهلة التقديم الأقصر من جدول شركة النقل، يترك المورد دون ثمن والمستورد دون بضاعة. وترك هامش من أيام عدة في تاريخ الشحن وفي مهلة التقديم أرخص من تعديل الاعتماد المستندي المتوافق مع الشريعة بعد ذلك.

وأخيراً تحقق من أن اسم المورد وعنوانه ووصف السلعة متطابقة حرفاً بحرف في الطلب والفاتورة وبوليصة الشحن. فالفروق الإملائية الصغيرة هي أكثر أسباب المخالفات شيوعاً، وقد يترتب على كل إشعار بمخالفة رسوم، ويتأخر به تملك المصرف للبضاعة، ويتأخر معه موعد تسلم المستورد للشحنة.

جهات تقدّم هذه الخدمات

عرض قسم «منتجات التمويل الإسلامي» كاملاً →