الجعالة: كيف تعمل بوصفها عقد مكافأة على تحقيق النتيجة

الجعالة: كيف تعمل بوصفها عقد مكافأة على تحقيق النتيجة

عوض لا يستحق إلا عند تحقق النتيجة: الأحكام والاستعمالات المصرفية والمزالق التي ينبغي تجنبها.

الجعالة التزام من الجاعل بدفع جعل معلوم لعامل غير معين، قد لا يعرفه وقت الإعلان، إذا حقق نتيجة محددة وصفها الجاعل وصفا دقيقا، مثل رد مال ضائع أو تحصيل دين متأخر. ولا ينشأ حق العامل في الجعل إلا بتحقق النتيجة، فإن لم تتحقق فلا شيء له مهما طال جهده، لأنه يتحمل بنفسه خطر عمله.

مراحل الجعالة من الإعلان إلى دفع الجعل

تبدأ الجعالة بالإعلان، وقد يكون عاما كلوحة أو إعلان منشور، وقد يوجه إلى شخص بعينه. والمهم أن يصف النتيجة المطلوبة وصفا لا يترك مجالا للخلاف لاحقا حول تحققها. فعبارة «المساعدة في البحث» لا تكفي، أما عبارة «تسليم الآلة ذات الرقم التسلسلي كذا إلى مالكها» فتكفي.

ويتم القبول بالشروع في العمل، فمن بدأ العمل وهو عالم بالإعلان فقد قبله دون حاجة إلى إعلان قبول. وليس في عقد الجعالة موعد للتوقيع ولا تسلم لمراحل وسيطة كما في عقد المقاولة، فالجاعل لا يتحقق إلا حين تعرض عليه النتيجة.

ويوضح مثال عددي بسيط هذا المنطق: تاجر وعد بخمسمئة يورو لمن يرد شاحنة مسروقة. فإن عثر عليها محقق بعد ثلاثة أيام نال المبلغ كاملا، وإن عثر عليها غيره بعد ثلاثة أشهر نال المبلغ نفسه. أما من بحث ثلاثة أسابيع ولم ينجح فلا يستحق شيئا.

ولا يلزم أن يكون الإعلان مقترنا بمدة، فقد يبقى مفتوحا حتى يتحقق المطلوب أو يسحبه صاحبه. غير أن الإعلان الذي يمتد زمنا طويلا دون مراجعة يخلق إشكالات عند تغير الظروف، كأن تتغير قيمة المال المنشود أو تزول حاجة الجاعل إليه. ولذلك يحسن تدوين تاريخ الإعلان وأي تعديل يطرأ عليه.

إيجاب مفتوح ينتظر النتيجة

يصدر الجاعل إيجابا لا يلزم أحدا بقبوله. ومن أنجز العمل، وهو العامل، استحق الجعل دون أن يوقع شيئا مسبقا. ويستدل الفقهاء بآية يوسف: ولمن جاء به حمل بعير، في شأن صواع الملك المفقود.

ما الذي يميز الجعالة عن إجارة الأعمال؟

في إجارة الأعمال يستحق الأجير الأجرة على وقته أو عمله ولو لم ينجح. أما في الجعالة فالعبرة بالنتيجة وحدها، فأسابيع من الجهد غير المثمر لا تستحق شيئا. وفي المقابل يجوز أن تبقى مدة العمل ومقداره مجهولين.

لماذا يتسامح في قدر من الجهالة

لا يعرف دائما كم ساعة يتطلب البحث عن مال ضائع. وقد قبل الفقهاء هذا الغرر في مقدار الجهد لأن الحاجة قائمة ولا يجبر أحد على الدخول في العقد. لكن النتيجة المطلوبة والجعل يجب أن يكونا معلومين بوضوح.

جعل معلوم مباح لا يقتطع من النتيجة نفسها

يجب أن يكون الجعل مبلغا أو مالا معينا. ويمنع عدد من المذاهب أن يكون جزءا مما يعثر عليه، كنصف القطيع الضال، غير أن معيار هيئة المحاسبة والمراجعة يجيز نسبة من المبلغ المحصل في بعض عقود التحصيل.

شروط صحة عقد الجعالة

يشترط في الجاعل أهلية التصرف وأن يملك حق التصرف في الجعل. فمدير يعد بمكافأة من مال الشركة دون أن تكون له صلاحية تمثيلها لا ينشئ جعالة يعتمد عليها. أما العامل فلا يشدد الفقهاء في أمره كثيرا، إذ لا يلزم تعيينه عند الإعلان، ويكفي أن يكون قادرا فعلا على أداء المهمة.

ويجب أن تكون النتيجة مباحة ممكنة التحقق ومحددة بدقة. فالمكافأة على تحصيل دين ناشئ عن معاملة محرمة باطلة، وكذلك لا يصح هدف يتوقف حصوله على الصدفة وحدها، لأن عمولة النجاح تصير حينئذ ضربا من المقامرة.

ويجب أن يتحدد الجعل قبل البدء في العمل، سواء أكان مبلغا ثابتا أم مالا مباحا أم معادلة حساب واضحة. وأما جواز اشتراط مدة معينة مع ذلك فللمذاهب فيه آراء متباينة. ومن أراد أن يتفق على مدة فليطلب من هيئة الرقابة الشرعية في المؤسسة أن تقرها صراحة، بدل أن يدرجها في النموذج دون أن ينتبه إليها أحد.

ومن الأمثلة العملية أن يعلن صاحب مزرعة عن جعل لمن يرد قطيعا ضل في الصحراء، فيكون المطلوب محددا وهو عدد الرؤوس المعيّنة، والجعل مبلغا مقطوعا. أما لو قال: لك نصف ما تجد، فقد تعرض لخلاف المذاهب الذي سبق ذكره في اشتراط أن يكون الجعل من غير عين النتيجة.

عقد جائز غير لازم حتى إتمام العمل

الجعالة عقد غير لازم، فلكل من الطرفين فسخه قبل الشروع في العمل. وإذا رجع الجاعل بعد أن بدأ العامل جهده، قرر الفقهاء للعامل أجرة المثل عما أنجزه، حتى لا يضيع عمله بلا مقابل.

تعدد العاملين على جعل واحد

لما كان الإيجاب عاما جاز أن يعمل فيه أكثر من شخص. فإن نجح واحد استحق الجعل كله، وإن اشترك جماعة في تحقيق النتيجة اقتسموه. ومن عمل وهو لا يعلم بالجعالة لم يستحق شيئا في الأصل.

تحصيل الديون مقابل عوض عند النجاح

يجوز للمؤسسة أن تكلف شركة تحصيل باسترداد المتأخرات، ولا تدفع لها إلا عند قبض المال فعلا. والعوض الثابت أو النسبي هو مقابل الخدمة لا مقابل الدين، فلا يتحول الدين إلى مصدر للفائدة.

عمولات السمسرة وجلب العملاء

لا يستحق الوسيط العقاري أو جالب الصفقات عمولته إلا إذا تم البيع أو التمويل. وهذا المنطق القائم على النجاح يوافق الجعالة. ويجب إعلان العمولة قبل بدء المهمة، وألا تتغير بحسب مدة التمويل.

الجعالة في العمل المصرفي: تصميم عمولة النجاح

في عقد تحصيل الديون تتوقف سلامة الجعالة على الصياغة. فيجوز أن تربط الأتعاب بالمبلغ الذي قبض فعلا، كنسبة من المبلغ المسترد. ويمتنع ذلك إذا كانت الأتعاب تزيد عمليا بزيادة مدة التأخير، لأنها حينئذ تعمل كزيادة على الدين.

وفي الوساطة لتمويل ما ينبغي تعريف لحظة النجاح تعريفا واضحا، فهي صرف التمويل لا مجرد موافقة المصرف. ومن دون هذا البيان يختلف الوسيط وصاحب الطلب لاحقا في أن موافقة موقعة لم يصرف بعدها شيء هل توجب العمولة.

والأصل أن تكلفة البحث يتحملها العامل نفسه لأنه لا يبيع إلا النتيجة. فإذا أريد أن يرد الجاعل نفقات السفر أو الخبرة فينبغي أن يدرج ذلك في اتفاق مكتوب مستقل. وعندئذ تقترب العلاقة من وكالة بنفقات، وينبغي أن يسمى العقد باسمه الصحيح.

ويحسن أن يكتب في عقد التحصيل أن العمولة تحتسب على المبالغ المقبوضة فعلا بعد خصم ما يرد منها لسبب قانوني، حتى لا يطالب المحصل بجعل عن مبلغ استرد منه بعد أيام. وهذا الشرط الصغير يوفر على الطرفين نزاعا طويلا، ويثبت أن المقابل هو الخدمة المنجزة لا الدين نفسه.

مهام استشارية مرتبطة بتحقق الإنجاز

يمكن أن تكافأ جهة استشارية عند الحصول على ترخيص أو براءة اختراع أو نجاح جمع التمويل. ويذكر العلماء أنه لا يجوز أن يكون ذلك رهانا على أمر خارج عن السيطرة، ولا مكافأة على الحصول على منفعة محرمة.

الجعالة أم الوكالة أم الإجارة؟

الوكالة تفويض يتصرف فيه الوكيل باسم الموكل بأجر أو بغير أجر، والإجارة عوض عن عمل محدد، والجعالة عوض عن نتيجة. ويتوقف الاختيار على من يتحمل خطر الإخفاق وعلى إمكان وصف العمل بدقة.

لماذا تبقى الجعالة قليلة في المنتجات المصرفية

إن كونها عقدا جائزا والجهالة في مقدار العمل يجعلان استعمالها صعبا في التمويلات الطويلة. لذلك تستعملها المصارف غالبا في خدمات مساندة، كترتيب التسهيلات أو أعمال البحث، لا أساسا لمنتج تمويلي.

ما يجب فحصه في عقد عمولة النجاح

اطلب تعريفا مكتوبا للنتيجة، ومقدار الجعل أو طريقة حسابه، ومصير المصروفات عند الإخفاق، وشروط الانسحاب. ويجب أن يكون النشاط مباحا، وأن تكون هيئة الرقابة الشرعية في المؤسسة قد أجازت النموذج.

منازعات الجعالة والمزالق التي ينبغي تجنبها

النتيجة الجزئية وإثبات تحققها

تنشأ الخلافات كثيرا حين لا تتحقق النتيجة إلا جزئيا، كأن يحصل سبعة ديون من عشرة. ويميل العلماء إلى الاعتراف بالحق بقدر ما وجد نتاج جزئي يمكن فصله، بشرط أن يكون الإعلان قد تضمن أهدافا قابلة للتجزئة. فإن لم يوجد تقسيم كهذا فعلى عقد الجعالة أن ينص على أن الجعل لا يستحق إلا بتمام النتيجة.

ويجب على العامل أن يكون قادرا على إثبات النتيجة. فالإيصالات ومحاضر التسليم وإثباتات الدفع تحفظ في الملف قبل المطالبة بالجعل. وفي المقابل لا يحق للجاعل أن يعلق الدفع على شروط لم ترد في الإعلان الأصلي.

الرجوع عن الإعلان أثناء العمل

لما كانت الجعالة عقدا جائزا كان وقت الرجوع أدق مواضعها. فإذا سحب الجاعل إعلانه قبيل تحقق النتيجة فلا ينبغي أن يظن أنه يخرج من العقد دون تبعة. وبيان مكتوب بوقت استحقاق النفقات يخفف حدة النزاع.

وأخيرا تنبغي مراعاة الآثار الضريبية والمحاسبية، فالجعل المدفوع مصروف عند الجاعل ودخل من خدمة عند العامل. وينبغي أن يظهر في الفاتورة بوصفه مكافأة نجاح، لا بوصف عائد فائدة ولا تعويضا عن التأخير.

عرض قسم «عقود التمويل الإسلامي» كاملاً →