العربون وخيار الشراء: ما الذي يجيزه بيع العربون فعلاً؟

العربون وخيار الشراء: ما الذي يجيزه بيع العربون فعلاً؟

مبلغ يُدفع مقدماً يُحتسب من الثمن إذا تمّ البيع، ويذهب للبائع إذا عدل المشتري قبل انقضاء المدة المتفق عليها.

بيع العربون عقد بيع ينعقد فعلا، يدفع فيه المشتري مبلغا مقدما للبائع ويحتفظ بخيار العدول مدة معلومة، فإن أمضى البيع حُسب المبلغ من الثمن، وإن عدل ضاع عليه وصار حقا للبائع مقابل انتظاره. وتتوقف صحته عند من يجيزه على تحديد المدة وتعيين السلعة ومعرفة الثمن، وعلى أن يملك البائع ما يبيعه.

كيف يجري بيع العربون في الواقع

يقوم بيع العربون على خمسة عناصر ينبغي أن تكون واضحة في العقد: البائع، والمشتري، والسلعة المعينة، والمبلغ المقدم، ومدة العدول. فإذا اشترى شخص شقة بثمن مئتي ألف ودفع عشرين ألفا عربونا مع مهلة ثلاثين يوما، فللمشتري أن يمضي البيع فيدفع الباقي وهو مئة وثمانون ألفا، أو يعدل فيخسر العشرين ألفا.

وقد وردت رواية في النهي عن بيع العربان في كتب الحديث، منها ما رواه مالك في الموطأ، وأعلّها كثير من المحققين بالانقطاع وضعف الإسناد. ولذلك لم يعدّ القائلون بالجواز هذه الرواية حجة قاطعة، وركنوا إلى فعل عمر رضي الله عنه وإلى أن الأصل في المعاملات الإباحة ما دام الخيار محدد المدة والمبلغ.

ويتميز بيع العربون بأن البيع قائم منذ لحظة العقد، ولهذا يلزم أن تكون السلعة موصوفة وصفا يمنع النزاع. أما إن كانت المعاملة مجرد وعد بالبيع لم يتم فيه تعيين السلعة ولا الثمن فلا تدخل في بيع العربون، وإنما يُنظر فيها بأحكام الوعد والمواعدة وما يتبعها من هامش جدية.

وينبغي أن يكتب الطرفان في العقد بعبارة صريحة أن المبلغ المدفوع عربون، فلا يكفي أن يوصف بأنه دفعة أو حجز. فالألفاظ الغامضة تفتح الباب لخلاف حول ما إذا كان المبلغ جزءا من الثمن يُرد عند الإلغاء أو عربونا يسقط بالعدول.

آلية قريبة من العربون في القوانين المدنية

يشبه المبدأ ما تعرفه القوانين المدنية من دفع جزء من الثمن لحجز سلعة مع بقاء حق العدول للمشتري. ويكمن الفرق في الأساس الشرعي الذي يشترط عقد بيع حقيقياً على سلعة مباحة ومعيّنة.

لماذا اختلفت المذاهب الفقهية فيه؟

رفضه جمهور الحنفية والمالكية والشافعية لأنهم رأوا فيه أكلاً للمال بغير عوض وشرطاً فيه غرر. وأجازه الحنابلة مستندين خصوصاً إلى صفقة شراء دار بمكة رُويت في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.

موقف مجمع الفقه الإسلامي الدولي

أجاز مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي بيع العربون بشرط تحديد مدة الانتظار مسبقاً. واستثنى منه المعاملات التي يُشترط فيها التقابض الفوري في مجلس العقد، كبيع الذهب والفضة وصرف العملات بعضها ببعض.

تحديد المدة ومحل العقد

من دون أجل معلوم قد يحبس المشتري السلعة إلى ما لا نهاية، وهذا غرر فاحش. ويجب كذلك أن يملك البائع ما يبيعه، فدفع عربون على بضاعة لم يتملكها البائع بعد يجعل المعاملة محل اعتراض.

شروط صحة بيع العربون عند من يجيزه

يشترط أولا أن يكون الثمن معلوما عند العقد، وأن يكون العربون جزءا محددا منه بمقدار أو بنسبة، كعشرة في المئة مثلا. فلا يصح أن يُترك مقداره مفتوحا لتقدير البائع بعد العدول، لأن ذلك غرر يؤدي إلى النزاع. ويجب أن يُنص على أن العربون يدخل في الثمن عند إمضاء البيع.

ويشترط ثانيا أن تكون مدة العدول معلومة وقصيرة بما يتناسب مع طبيعة السلعة. فمدة أسبوعين في سيارة مستعملة أو شهر في عقار أقرب إلى المعتاد من مدة عام كامل تحبس السلعة عن السوق. وكلما طالت المدة وجب أن يكون العربون أكبر، تعويضا للبائع عن ضياع فرص البيع لغيره.

ويشترط ثالثا ألا يبيع البائع السلعة لغيره في أثناء المدة. فإن باعها لآخر خلال خيار المشتري كان مخلا بالعقد، ووجب عليه رد العربون إلى المشتري. وتذهب بعض القوانين المدنية العربية إلى أن البائع العادل يرد العربون ومثله، وهو حكم قانوني لا يشترطه كل الفقهاء.

ورابعا يجب ألا يُستعمل العربون في معاملات يُشترط فيها التقابض في المجلس. فلا يصح عربون في صرف عملة بعملة ولا في بيع ذهب بفضة، لأن التأجيل في هذه الأصناف يوقع في الربا، كما نبّه إلى ذلك مجمع الفقه الإسلامي في قراره.

بماذا يختلف بيع العربون عن هامش الجدية؟

في المرابحة قد يطلب المصرف هامش جدية قبل شراء السلعة التي أمر بها العميل. ولا يصبح هذا المبلغ ملكاً للمصرف، فإذا نكل العميل اقتطع منه الضرر الفعلي فقط وردّ الباقي، خلافاً للعربون.

لماذا يسبق هامش الجدية عقد البيع؟

يقع هامش الجدية في مرحلة الوعد حين لا يملك المصرف السلعة ولا يوجد بيع بعد. أما العربون فيصاحب بيعاً منعقداً مع الخيار، ولهذا يحق للبائع في هذه الحالة الاحتفاظ بالمبلغ كاملاً دون أن يردّ منه شيئاً.

هل هو بديل مشروع لخيارات الشراء؟

يقارن بعض الباحثين العربون بخيار الشراء، فالمبلغ المقدَّم يؤدي دور العلاوة والخسارة القصوى للمشتري معلومة. غير أن الخيار التقليدي يُتداول مستقلاً، بينما يبقى العربون مرتبطاً دائماً ببيع فعلي للسلعة نفسها ولا ينفصل عنها.

صناديق حماية رأس المال واستراتيجيات الأسهم

أنشأ بعض مديري الأصول الإسلاميين صناديق يُستثمر معظم رأس مالها في أدوات متوافقة، ويُخصص جزء صغير عربوناً على أسهم. فإن ارتفعت الأسعار أُمضي الشراء، وإلا اقتصرت خسارة الصندوق على مبلغ العربون وحده دون أصل رأس المال.

ماذا يحدث عند انتهاء المدة أو هلاك السلعة في بيع العربون؟

إذا انقضت مدة الخيار دون أن يعلن المشتري عدوله لزم البيع واعتُبر العربون جزءا من الثمن. ولا يحق للمشتري بعد ذلك أن يطلب استرداده إلا إذا ظهر عيب في السلعة أو تبين أن البائع لا يملكها. ويحسن أن يذكر العقد صراحة أن سكوت المشتري حتى نهاية المدة يعد إمضاء للبيع.

وإذا هلكت السلعة في أثناء مدة الخيار بغير تقصير من المشتري، فالضمان على البائع لأنها لم تُسلَّم ولم يتم البيع. فلا يستحق البائع العربون في هذه الحالة، وعليه ردّه كاملا. وهذه قاعدة مهمة لأن العربون يضيع بعدول المشتري وحده، لا بتلف السلعة ولا بتقصير البائع.

أما إذا عدل المشتري فليس للبائع أن يطالب بأكثر من العربون المتفق عليه. فلا تضاف إليه غرامة أو مصاريف أخرى ما لم يتفق عليها العقد صراحة وتكن معقولة. والغاية أن تظل الخسارة القصوى للمشتري معلومة منذ البداية، وهذا ما يخفف الغرر ويجعل بيع العربون مقبولا عند القائلين به.

وقد يطلب البائع، لحماية نفسه، أن يُدفع العربون نقدا أو بتحويل مصرفي لا رجعة فيه. وفي هذه الحالة ينبغي للمشتري أن يحتفظ بإيصال يبين اسم السلعة ومبلغ العربون وتاريخ الدفع وآخر موعد للعدول، فهذه البيانات هي أساس أي مطالبة لاحقة.

هل يجوز التنازل عن حق بيع العربون لطرف ثالث؟

ترفض أغلب هيئات الرقابة الشرعية بيع حق إمضاء الشراء منفصلاً، لأنه يعني تداول حق مجرد منفك عن السلعة. ويحول هذا القيد دون نشوء سوق ثانوية للخيارات على غرار بورصات المشتقات.

استخداماته في العقار والتجارة

خارج الأسواق المالية يُستعمل العربون لحجز مسكن أو مركبة أو دفعة من البضائع ريثما يدبّر المشتري تمويله. ويُعوَّض البائع الذي ردّ مشترين آخرين خلال تلك المدة إذا لم يتم البيع.

مخاطر المشتري والبائع

قد يخسر المشتري عربوناً كبيراً إذا تعثّر تمويله. ويتحمل البائع خطر ارتفاع سعر السوق خلال المدة دون أن يستطيع الرجوع. ويحقق تحديد عربون متناسب مع قيمة الثمن توازناً معقولاً بين مصلحة الطرفين.

نقاط ينبغي التحقق منها في عقد العربون

تحقق من المدة الدقيقة للخيار، وكيفية احتساب العربون من الثمن، وملكية البائع للسلعة، والرأي المكتوب لهيئة الرقابة الشرعية لدى المؤسسة، لأن المشروعية تتوقف على المذهب الفقهي المتبع وعلى الهيكل الذي اعتمدته المؤسسة في المنتج.

أسئلة عملية قبل الدخول في بيع العربون

اسأل أولا: هل البائع مالك فعلا للسلعة وقت العقد؟ يمكنك طلب وثيقة الملكية أو الفاتورة. فالعربون المدفوع على سلعة لا يملكها البائع ولا يقدر على تسليمها يعرضك لخسارة مبلغك، وقد لا يُعد بيعا صحيحا أصلا عند أغلب الفقهاء.

واسأل ثانيا: هل المدة وافية لتدبير التمويل أو لفحص السلعة؟ فمن يشتري عقارا يحتاج غالبا إلى وقت للحصول على موافقة المصرف، ومن يشتري آلة قد يحتاج إلى خبير يفحصها. ومدة العدول القصيرة جدا تجعل العربون فخا، فيضيع على المشتري قبل أن يتمكن من الاستيثاق.

واسأل ثالثا: ما الحكم الذي تطبقه المؤسسة التي تتعامل معها؟ فالهيئات الشرعية تختلف في جواز بيع العربون وفي شروطه، والمشتري ليس مطالبا بأن يفصل في الخلاف الفقهي بنفسه. لكن من حقه أن يطلب الرأي المكتوب للهيئة وأن يعرف هل يقبل هذا الترتيب من الأساس.

وأخيرا، قارن بين العربون وبدائل أقل مخاطرة. فقد يكفي في كثير من الصفقات أن يُدفع مبلغ يُسترد كاملا، أو أن يوقّع الطرفان وعدا بالبيع. ويبقى بيع العربون مناسبا حين يريد المشتري تثبيت السعر ومنع البائع من التصرف في السلعة مقابل ثمن معلوم هو العربون نفسه.

عرض قسم «عقود التمويل الإسلامي» كاملاً →