تجارة السلع في الشريعة: شراء المواد الأولية وإعادة بيعها بضوابط شرعية

تجارة السلع في الشريعة: شراء المواد الأولية وإعادة بيعها بضوابط شرعية

القبض والتسليم والمنصات الإلكترونية والعقود الآجلة: ما يجوز لتاجر السلع وما لا يجوز.

تجارة السلع في الشريعة هي شراء المواد الأولية وغيرها من الأموال وإعادة بيعها بعد أن يقبضها التاجر قبضا حقيقيا أو حكميا. لا يُتداول فيها إلا مال موجود ومباح ومقدور على تسليمه، وتنتقل فيها الملكية والضمان فعلا إلى المشتري. ولهذا تُستبعد البيوع على المكشوف والتسوية بمجرد فروق الأسعار وأغلب العقود المستقبلية.

تجارة السلع في الشريعة عمليا: من الشراء إلى التسليم

في تجارة السلع في الشريعة يوجد عقدان منفصلان: الأول شراء من المورّد، والثاني بيع للعميل. يتسلّم التاجر السلعة أو المستند القائم مقامها قبل أن يبرم العقد الثاني. ولا يجوز ربط العقدين أحدهما بالآخر، وإلا فقد البيع اللاحق استقلاله وأصبح جزءا من صفقة مشروطة.

يجب وصف السلعة بنوعها ودرجة جودتها وكميتها ومصدرها وصفا يعرف به الطرفان ما سيُسلَّم. وفي الحبوب ونحوها يكفي تحديد كمية معينة من صومعة مشتركة إذا كان العقد يبيّن الجزء المبيع بوضوح. أما الأوصاف الغامضة فتُنشئ الغرر وقد تُبطل العقد.

ينبغي أن يكون الثمن معلوما عند العقد أو قابلا للتحديد بصيغة واضحة. وللفقهاء آراء متباينة في الأسعار التي تُحدَّد عند التسليم بالرجوع إلى مؤشر مرجعي، لذلك يحسن بالتاجر أن يسأل الهيئة الشرعية لدى الممول قبل قبول شرط من هذا النوع.

ومن دخل التجارة في السلع بمشروع صغير أو متوسط فالأفضل أن يبدأ بصنف واحد ومورّد واحد، ليكرر تسلسل الشراء فالقبض فالبيع مرات عدة قبل نقل كميات أكبر. والمصارف التي تموّل بيع السلع تطلب هذه الإثباتات عادة قبل الصرف الأول، وبذلك يصبح الالتزام بأحكام تجارة السلع في الشريعة عادة مهنية لا إجراء استثنائيا يُلجأ إليه عند الحاجة فقط، ويُنظَّم معه مسار الأوراق من أول يوم.

أربعة شروط لتكون السلعة قابلة للتداول

يجب أن تكون السلعة موجودة أو موصوفة وصفا دقيقا، مباحة، مملوكة للبائع، مقدورا على تسليمها. فالنفط الخام والنحاس والقمح تستوفي هذه الشروط، بخلاف الخمر والخنزير أو دفعة لم يتملكها البائع بعد.

بيع ما لا يملكه البائع: البيع على المكشوف

نهى حديث حكيم بن حزام عن بيع ما ليس عند الإنسان. وتستبعد هذه القاعدة البيع على المكشوف المعروف في الأسواق التقليدية، حيث يبيع المتداول دفعة مقترضة أو لم يشترها بعد مراهنا على هبوط السعر.

القبض الحسي والقبض الحكمي بالمستندات

لا يشترط القبض دائما تناول السلعة باليد، فشهادة المستودع التي تعيّن الدفعة باسم المشتري كافية عند أكثر الهيئات، بشرط انتقال ضمان الهلاك إليه، فلو احترق المستودع كانت الخسارة عليه.

بيع الشحنة قبل قبضها

نهى الحديث عن بيع الطعام قبل قبضه، واختلفت المذاهب في تعميم الحكم: فالحنفية يطبقونه على المنقولات، والمالكية على الطعام أساسا. لذلك يحتاج التجار إلى ترتيب الشراء ثم القبض ثم البيع بعناية.

التخزين والنقل وتحمل الضمان في تجارة السلع والشريعة

في تجارة السلع والشريعة تحدد بنود التجارة الدولية مثل فوب وسيف لحظة انتقال الخطر إلى المشتري. ويقر كثير من المعاصرين بأن سند الشحن أو شهادة المستودع يُثبت القبض الحكمي إذا انتقلت الملكية والضمان معا. والمهم أن يتحمل التاجر الخطر فعلا ما دامت السلعة في ملكه.

يتولى التأمين على الشحنة من كان مالكها في تلك اللحظة. وحيث يتوافر مزود للتكافل يُفضّل على الوثيقة التقليدية، ويدخل القسط في حساب سعر البيع. ومن أبرم التأمين بعد إعادة البيع فقد تاجر في الفترة الفاصلة دون تغطية.

قبل استلام الدفعة يتحقق مفتش مستقل من جودتها وكميتها. فإن ظهر عيب خفي ثبت بحسب الفقه الكلاسيكي خيار العيب. ومن باع الدفعة قبل اكتشافه وجب عليه إعلام العميل بالعيب بدل كتمانه.

وتدخل مصاريف التخزين والنقل في حسابات بيع السلع على الوجه المشروع، وتقع على من يملك السلعة وقت إنفاقها، ولا يجوز تحميلها للمورّد بعد ذلك. وعلى التاجر أن يُظهر هذه التكاليف في سعر البيع صراحة بدل أن يفرضها رسما خفيا.

البيع الحاضر والتسليم المؤجل والعقود المستقبلية

لا إشكال في البيع الحاضر الذي يتقارب فيه التسليم والدفع. أما العقد المستقبلي النمطي الذي لا يُسلَّم فيه البدلان عند الإبرام، فقد قرر مجمع الفقه الإسلامي الدولي عدم جوازه، وكذلك عقود الخيارات.

لماذا يُمنع تأجيل البدلين معا

إذا أُجّل الثمن والسلعة معا لم يملك كل طرف إلا وعدا من الآخر، فيكون العقد بيع دين بدين، وهو ممنوع في الفقه. ويسلم السلم من هذا الاعتراض لأن المشتري يدفع الثمن كاملا في مجلس العقد.

زيت النخيل الخام: استثناء ماليزي

أجاز المجلس الاستشاري الشرعي لهيئة الأوراق المالية الماليزية العقد المستقبلي على زيت النخيل الخام المدرج في بورصة ماليزيا، مقربا إياه من البيع على الصفة. ولا يوافق كثير من علماء الخليج وغيرهم على هذا التكييف.

التحوط من تقلب الأسعار دون عقود مستقبلية

يستطيع المنتج الراغب في تثبيت سعره أن يبيع سلما مع قبض الثمن فورا، أو أن يستعمل وعدا ملزما من طرف واحد بالشراء. ويغطي الاستصناع السلع المطلوب تصنيعها. وهذه الأدوات أقل سيولة من الأسواق الآجلة ولا تصلح للمضاربة.

أسئلة ينبغي أن يطرحها التاجر قبل إبرام الصفقة

لمن تعود الدفعة لحظة العقد وأين تُخزَّن؟ وما المستند الذي يثبت القبض؟ وهل يضمن أمين المستودع ما يهلك؟ هذه الأسئلة الثلاثة تكشف في تجارة السلع في الشريعة معظم مواطن الضعف قبل خروج المال. ومن لم يجد جوابا قابلا للتحقق فلا يبرم الصفقة.

ويضيف التداول بالرافعة المالية عبر حساب هامش مشكلة تمس التجارة في السلع مباشرة، فقرض الوسيط يحمل غالبا فائدة، والمراكز التي تُترك طوال الليل يُحتسب عليها مقابل ربوي أو تُمنح عنه. ولا تحل الحسابات المسماة خالية من الفوائد المشكلة تلقائيا، إذ يتحقق الفقهاء من أن الكلفة لم تُخفَ تحت رسوم أخرى.

وللذهب والفضة أحكام أشد من غيرهما من المواد الأولية، فالمعدن من الجنس نفسه لا يُبادل إلا بوزن مماثل، والمبادلة بالنقد يجب أن تتم في الحال. وكثير من الهيئات تعد القيد الإلكتروني اليوم قبضا حكميا، لكنها لا تعد الشراء بالأجل كذلك.

وتستحق الجهة المقابلة نظرا أيضا: هل تتاجر في سلع مباحة؟ وهل مصدر السلعة غير مرتبط بأنشطة محرمة؟ ففي بيع السلع على الوجه المشروع لا يكفي سلامة صورة العقد، بل يُنظر كذلك إلى محله. ومن يتاجر في التبغ أو الخمر لا يصلح شريكا.

معيار أيوفي بشأن الأسواق المنظمة

ينظم المعيار الشرعي رقم عشرين الصادر عن أيوفي بيع السلع في الأسواق المنظمة. ويشترط عمليات تفضي إلى انتقال حقيقي للملكية، ويرفض التسوية بمجرد فروق الأسعار، ويمنع الصفقات الصورية الرامية إلى صنع أسعار مصطنعة.

المنصات الإلكترونية وشهادات الملكية

تسجل منصات مثل سوق السلع في بورصة ماليزيا كل انتقال للملكية بشهادة إلكترونية. وتُستعمل أساسا في هياكل التمويل، مما يدفع الفقهاء إلى التساؤل عما إذا كانت تجارة في سلع لا يريدها أحد فعلا تجارة حقيقية.

النجش والاحتكار والتلاعب بالأسعار

يحرّم الفقه النجش، وهو الزيادة في الثمن دون نية الشراء لرفع السعر، والاحتكار، وهو حبس الأقوات لإحداث الندرة. وتلتقي هذه المحرمات مع القواعد الحديثة لمكافحة التلاعب بالسوق والتعسف في استغلال المركز المهيمن.

التسوية بالفروق: حين تتحول التجارة إلى رهان

العقد الذي لا يتضمن تسليما أبدا ويُصفّى بدفع الفرق بين سعرين لا يتبادل فيه الطرفان أي سلعة. وتعده الهيئات الشرعية من الميسر، أي القمار، ومن الغرر، أي الجهالة الفاحشة في محل العقد.

مثال رقمي وقائمة تحقق لتجارة السلع في الشريعة

مثال توضيحي فقط: يشتري تاجر مئة طن من القمح بثلاثمئة يورو للطن، ويخزّنها ويتسلم شهادة المستودع باسمه. وبعد ذلك فقط يبيع الدفعة بثلاثمئة وخمسة عشر يورو للطن. فالربح البالغ ألفا وخمسمئة يورو مقابل الخطر الذي تحمله بنفسه طوال مدة الاحتفاظ.

ومن الأخطاء الشائعة بيع دفعة ما زالت في عرض البحر وتنقصها مستنداتها، وتجديد المراكز المفتوحة باستمرار دون تسليم، وشراء صناديق تكتفي بمحاكاة حركة الأسعار. وفي الحالات الثلاث يغيب التبادل الحقيقي للأموال الذي تقتضيه تجارة السلع في الشريعة، وتتحول التجارة في السلع إلى مضاربة.

وتفيد قائمة بسيطة في العمل اليومي: العقد والفاتورة وشهادة المستودع وإثبات التأمين وتقرير الفحص تُجمع في ملف واحد. ومن أراد التوفيق الدائم بين تجارة السلع والشريعة عرض إجراءاته على مستشار شرعي مؤهل يحكم على كل حالة بعينها. وهذه الإرشادات لا تغني عن تلك الاستشارة.

وعند النزاع تظهر قيمة الملف: فمن أثبت متى تسلّم الحيازة والخطر استطاع إثبات مطالباته تجاه المورّد والناقل والمؤمّن. وتتطلب التجارة في السلع الإسلامية الانضباط التوثيقي نفسه الذي تتطلبه التجارة التقليدية، مع عناية خاصة بتسلسل الخطوات. وكلما كان الملف أكمل كان إثبات الالتزام بأحكام تجارة السلع في الشريعة أيسر أمام الممول والمراجع الشرعي، وأقل عرضة للجدل بعد وقوع الخسارة أو الخلاف على الجودة.

عرض قسم «منتجات التمويل الإسلامي» كاملاً →